فذلك الرصيف الذي نعبره كل يوم دون أن نلتفت إليه، ليس مجرد حجارة تمتد على جانبي الطريق، بل شاهد صامت على حكايات الناس وتفاصيل حياتهم، يحتفظ منها بما قد لا تدونه الكتب.
رأى وجوهًا جاءت ثم غابت، وخطوات أسرعت نحو أحلامها، وأخرى مضت في دروب الحياة. ورأى أناسًا كانوا يملؤون المكان حضورًا، ثم أصبحوا مع مرور السنوات أسماء وذكريات.
كما مر فوقه طفل صغير يمسك بيد أبيه، ثم عاد بعد سنوات رجلًا يمسك بيد طفله. وربما مر بالمكان نفسه دون أن يتذكر أن خطواته الأولى كانت هنا، وأن اليد التي تشبث بها يومًا قادته في بداية الطريق.
مر عليه طالب يحمل كتبه ويحلم بالمستقبل، ثم عاد بعد أعوام طبيبًا أو مهندسًا أو صاحب شأن، ومر عليه آخرون حملوا أحلامًا مختلفة، ومضوا في مسارات متعددة، تاركين بصماتهم في الحياة.
والرصيف لا تعنيه الأسماء ولا المناصب؛ فهو يستقبل الجميع دون تمييز، ويحمل خطواتهم بصمت، وكأنه يذكرنا بحقيقة بسيطة، وهي أن الحياة تجمعنا في دروب مشتركة، مهما اختلفت أحلامنا وتجاربنا.
وعلى الرصيف حكايات لا يعرفها أحد.
فهناك من وقف عليه ينتظر شخصًا يحبه، وهناك من تلقى فوقه مكالمة حملت إليه خبرًا سعيدًا أو بداية جديدة. سار عليه إنسان في طريقه إلى أول يوم في وظيفته، وعبره آخر عائدًا من المستشفى، يستعد لاستكمال رحلته مع الحياة، وربما مر فوقه شخص عائد من زيارة أحد أحبائه، يحمل في ذاكرته لحظات لا ينساها.
محلات تفتح أبوابها، وأخرى تتجدد أنشطتها، ومبانٍ تتغير ملامحها، وأشجار تنمو، وأخرى تحل محلها نباتات جديدة. وجوه تأتي ووجوه ترحل، وأجيال تتعاقب، وهو يستقبل خطوات جديدة، وكأن لكل يوم حكاية تستحق أن تُروى.
وربما لهذا يبدو الرصيف شاهدًا مميزًا على مرور الزمن؛ فهو يرى كيف تتبدل الأيام، وتتغير الاهتمامات، وتتجدد الأحلام، وكيف تحمل كل مرحلة من الحياة تفاصيلها الخاصة.
فالإنسان الذي يمشي اليوم مسرعًا نحو غايته، قد يعود يومًا إلى المكان نفسه، فيستعيد ذكرى قديمة أو يتأمل رحلة طويلة قطعها منذ خطواته الأولى.
وفي النهاية، سنكتشف أن الرصيف لم يكن مجرد جزء من طريق نعبره، بل مساحة احتضنت تفاصيل من حياتنا، وشهدت فصولًا من رحلتنا، فيما كنا نحن العابرين في حكايته.
@alsyfean



