خواطر الشهري


يشهد القطاع غير الربحي في الأعوام الأخيرة تحولًا واضحًا، ليس فقط في عدد الكيانات، بل في طبيعة القائمين عليها. فقد انضم إليه كوادر بخلفيات مختلفة، سواء من مؤسسيها وأعضائها أو موظفيها، فتنوّع التفكير وانعكس ذلك على جودة العمل. ومما لا يخفى على الجميع أن الجمعيات الجديدة تُبنى حول احتياج محدد، ويجتمع حوله مهتمون يرون فيه فجوة تستحق المعالجة، وهذه هي البداية التي تعكس نضجًا في فهم الاحتياج المجتمعي، لكنها في المقابل تكشف عن فجوة أخرى ليست بارزة، لكن تأثيرها عالٍ، وهي ضعف التفكير في الاستدامة المالية منذ مرحلة التأسيس.
في كثير من الحالات، ينصب التركيز على: ماذا سنقدم للمستفيد؟ بينما يغيب السؤال الأهم: كيف سنبني كيانًا قادرًا على الاستمرار؟ فتظهر المبادرات بحماس عالٍ، واجتماعات كثيرة، ورغبة صادقة في خدمة المجتمع، لكن دون تصور واضح لموردها التأسيسي أو تغطية مصاريفها التشغيلية الأساسية.
الأكثر إشكالًا هو أن بعض هذه الجمعيات تبدأ بمحاولة تحميل التكاليف التشغيلية على الموظفين أو المتطوعين أنفسهم، أو الدخول في مرحلة تشغيلية دون وجود مبلغ مالي كافٍ، وهذا يضعف الكيان منذ البداية ويؤثر على مصداقيته أمام الداعمين المحتملين.
جزء من التحدي يعود إلى الثقافة السائدة لدى بعض المتبرعين، حيث يُنظر إلى المصاريف التشغيلية باعتبارها عبئًا غير مرغوب فيه، ويتم توجيه الدعم فقط نحو البرامج والخدمات المباشرة، في حين أن الواقع المؤسسي يثبت أن غياب البنية التشغيلية المستقرة يؤدي إلى ضعف الأثر أو توقف العمل.
المنطق المؤسسي يقول: لا يمكن تحقيق أثر مستدام دون كيان مستقر، ولا يمكن بناء هذا الكيان دون تمويل تأسيسي واضح. ومن هنا، فإن مسؤولية المؤسسين لا تقتصر على تحديد الاحتياج، بل تمتد إلى ضمان حد أدنى من الاستقرار المالي ولو لفترة تأسيسية تغطي العام الأول أو الثاني.
كما أن وجود تمويل ذاتي أو تأسيسي يعزز من مصداقية الجمعية أمام الجهات الداعمة، ويعكس جدية المؤسسين في تحويل الفكرة إلى كيان قابل للاستمرار، وليس مجرد مبادرة مؤقتة.
القطاع الثالث لا يحتاج فقط إلى أفكار جيدة، بل إلى كيانات قادرة على الاستمرار. وبين الفكرة والتنفيذ، تبقى الاستدامة المالية هي الفاصل الحقيقي بين جمعية تنطلق وأخرى تتوقف عند أول اختبار.
al.shehri.k@hotmail.com