سالم اليامي يكتب:


حين نتأمل ملامح عيد الفطر في ذاكرة من وُلدوا بين عامي 1955 و1960، نجد أنفسنا أمام لوحة بسيطة التفاصيل، عظيمة الأثر. كان العيد آنذاك يبدأ مع تباشير الفجر، حيث تتعالى أصوات التكبير من المساجد، ويخرج الرجال والأطفال بملابسهم الجديدة نحو المصليات في مشهدٍ تفيض فيه الطمأنينة. لم تكن هناك بهرجة ولا مظاهر استهلاكية كما اليوم، بل كانت البساطة عنوان الفرح، والقلوب ممتلئة بالرضا.
بعد الصلاة، تبدأ جولات المعايدة، حيث يتنقل الصغار بين البيوت حاملين أكياسهم الصغيرة، يجمعون فيها «العيديات» وبعض الحلوى التقليدية. وكانت الأمهات يتفنن في إعداد أطباق شعبية تعبّر عن كرم الضيافة، فيما تتعالى الضحكات وتتعزز روابط الجيرة والقرابة. كان العيد مناسبة حقيقية للالتقاء، لا تشغل الناس فيها شاشات ولا تعزلهم أجهزة، وكانت الألعاب التقليدية كالطحلب والطبول الصغيرة تضيف سعادة مميزة للصغار والكبار على حد سواء.
ومع مرور الزمن، تبدّلت ملامح الحياة بشكل كبير. دخلت التقنية إلى كل بيت، وتغيرت أنماط المعيشة، وأصبحت المدن أكثر اتساعًا وتعقيدًا. باتت المعايدات تتم أحيانًا عبر الرسائل، وحلّت المراكز التجارية والفعاليات الحديثة محل كثير من التجمعات التقليدية، لكن بعض الأسر لا تزال تحرص على الاحتفاظ بالعادات القديمة وتنظيم اللقاءات العائلية. ومع ذلك، لم تختفِ روح العيد، بل بقيت متجذّرة في وجدان المجتمع.
اللافت أن الأجيال الجديدة، من مواليد الألفية الثانية، ما زالت تحرص على استحضار تلك الروح. صحيح أنهم يعيشون في عالم مختلف، لكنهم يلبسون الجديد، ويزورون الأقارب، وينتظرون «العيدية» بشغف، تمامًا كما فعل آباؤهم وأجدادهم. هذا الامتداد الجميل يعكس تمسّك السعوديين بعاداتهم، وقدرتهم على التوازن بين الحداثة والأصالة.
إن عيد الفطر، رغم كل التحولات، ما يزال يحمل المعنى ذاته: فرحٌ جماعي، وتواصل إنساني، وتجديدٌ لروابط المحبة. وما بين جيل الأمس وجيل اليوم، تبقى الذكريات جسرًا حيًّا يربط الماضي بالحاضر، ويؤكد أن القيم الأصيلة لا يبددها الزمن، بل يزيدها رسوخاً وتألقاً، لتظل محفورة في القلوب وعلامةً على هوية المجتمع وروح الانتماء العميقة.
salem.asker@gmail.com