محمد الهاجري


سعدت جداً بموافقة مجلس الوزراء على تطبيق السياسة الوطنية للغة العربية في المملكة العربية السعودية.. فاللغة العربية ليست وسيلة للتخاطب فقط، ولا كلمات تُقال ثم تنسى، بل هي الوعاء الذي يحمل روح الأمة، وذاكرتها، وقيمها، وملامحها الحضارية عبر الزمن.
وحين يأتي قرار الالتزام باستخدام اللغة العربية في مؤسسات الدولة ومجالات الحياة المختلفة، فإنه لا يُقرأ بوصفه إجراءً إدارياً فحسب، بل يُفهم باعتباره إعلاناً واعياً لحماية الهوية وترسيخ الانتماء لها.
فاللغة العربية في المملكة العربية السعودية ليست لغة رسمية فقط، بل هي لغة القرآن، ولسان التاريخ، وجسر التواصل الحضاري الذي ربط الماضي بالحاضر، وأعطى لهذه الأرض عمقها الثقافي ومكانتها الروحية في العالمين العربي والإسلامي. ومن هنا، جاء القرار ليؤكد أن التنمية لا تعني التخلي عن الهوية، بل الانطلاق منها.
إن الأمم العظيمة لا تتقدم حين تذوب في غيرها، بل حين تعتز بذاتها، واللغة هي أول تجليات هذا الاعتزاز، فحين تُستخدم العربية في التعليم، والإدارة، والإعلام، والبحث العلمي، ومجال الأعمال، فإننا لا نحافظ على التراث فقط، بل نمنح الأجيال القادمة ثقةً بأن لغتهم قادرة على مواكبة العصر وصناعة المعرفة والمنافسة عالمياَ.
لقد أثبت التاريخ أن اللغة ليست عائقاَ أمام التطور، بل محرّكاً له. فكل نهضة حضارية بدأت حين آمنت الشعوب بلغتها، فكتبت بها العلم، وأنتجت بها الفكر، وخاطبت بها العالم.
واليوم، يأتي هذا القرار ليعيد التأكيد على أن اللغة العربية ليست لغة الماضي، بل لغة الحاضر والمستقبل أيضاً.
والإنسان بطبيعته يبحث عن جذوره .. عن شيءٍ يشعره بأنه ينتمي. وحين يعتز بلغته الأم، فإنه في الحقيقة يعتز بنفسه وتاريخه وقيمه. فاللغة ليست أصواتاً تُنطق، بل شعور داخلي بالهوية، ومرآة يرى فيها الإنسان ذاته.
وهنا يبرز سؤال مهم:
هل الاعتزاز باللغة العربية يعني الانغلاق عن العالم؟
لعلي أجيب على هذا السؤال بالعكس تماماً؛ فالأمم الواثقة من لغتها هي الأكثر قدرة على التواصل مع الآخرين، الاعتزاز بالعربية لا يعني رفض اللغات الأخرى، بل يعني أن ننطلق إلى العالم من موقع القوة الثقافية، لا من موقع الذوبان. نتعلم لغات العالم لننفتح، ونحافظ على لغتنا لنبقى.
إن الالتزام باللغة العربية هو في جوهره التزام بالإنسان نفسه؛ بوعيه، وهويته، وذاكرته. وهو رسالة للأجيال القادمة بأن التطور الحقيقي لا يقتلع الجذور، بل يسقيها لتثمر مستقبلاً أكثر رسوخاً وإشراقاً.
يبقى السؤال: ما الذي يحفظ للأمم ملامحها وسط هذا العالم المتغير؟
الجواب بسيط.. لغتها.
فاللغة العربية ليست خياراً إدارياً، بل قدراً حضارياً، وهويةً نفخر بها، ولساناً نحمل به رسالتنا إلى العالم بثقةٍ واعتزاز.. وحين نلتزم بها، فإننا لا نحافظ على الماضي فقط، بل نكتب بها مستقبلاً يليق بتاريخنا ومكانة وطننا.
malhajry1@gmail.com