نعيش اليوم في عالم سريع الإيقاع، قوي الرتم، حيث تغيرت كل القيم والمبادئ بسرعة رمش العين. يشعر الإنسان أحياناً وكأنه نام في زمن واستيقظ في زمن آخر مختلف تماماً، ومن بين أبرز التغيرات التي لمسناها، ذلك التغير العميق والمؤسف في أثر المعلم وقدره في نفوس الطلاب، وأولياء الأمور أيضاً.
فمن المسؤول عن هذا التحول؟ كيف وصلنا إلى هذا التغيير الجذري ومتى؟ أسئلة كثيرة، تبحث عن إجابات وسط عالم تغيرت فيه القيم والمفاهيم، وفقد فيه المعلم الكثير من مكانته في النفوس.
لقد كان المعلم على مر الأزمان قدوة وأب وناصح، وكانت له هيبة طاغية، أذكر أن أباءنا لم يجرؤوا على السير في طريق يسير المعلم به، وكانوا لا يجرؤن على التطاول عليه، حتى كانوا يقولون «من علمني حرفا صرت له عبدا» والحقيقة أن هذه المقولة مغلوطة تماما فالمعبود هو الله وحده لا شريك له، والصحيح «من علمني حرفا صنت له عهدا»، وأعتقد أن المقولة تحرفت نظرا لهيبة المعلم واعترافا بفضلة، وربما يكون الخوف «وهو نقطة الضعف الوحيدة» هو السبب، أما اليوم حتى الآباء باتوا يرفضون سلطة المعلم على أبنائهم.
في الماضي كان الآباء يطلبون من المعلم الشدة على أبنائهم و لا يأبهون بالضرب أو التوبيخ، لكن الآن لا يقبل ولي أمر أن يمس ولده بكلمة تجرحه، ربما لفقدان الثقة بالمعلم، أو بسبب التربية الحديثة التي تمارس بشكل خاطئ مما جعل نفسيات الأطفال هشة، كما لو كانت قطع «بسكويت» وهذا ما يخشاه الآباء دوما، لكن دعونا لا نلق اللوم فقط على الجيل الجديد، والآباء، فالحقيقة المرة أن المعلم نفسه تغير و تنازل عن كونه معلما و قدوة، وتحولت مهنة التعليم من رسالة سامية، إلى مهنة «أكل عيش» وفقط، يذهب المعلم إلى المدرسة يلقي المعلومة وفقط، ولا يهمه إيصال المعلومة حقا أو الفهم الصحيح لها.
حق لنا أن نتساءل هل يعتبر سوء الأحوال الاقتصادية، سببا في انهيار صورة المعلم، يقول كارل ماركس: «البنية المادية للمجتمع» - الاقتصاد- هي الأساس الذي يبنى عليه الوعي، بما في ذلك الأخلاق والقيم.
أو هل ساد هذا الرفض منذ، لجأ الكثير من أولياء الأمور إلى المدارس الخاصة، حيث يخفت صوت سلطة المعلم ويرتفع صوت تمرد الطلاب، وتعلو سطوة أموال الآباء، وربما للتربية الحديثة والانفتاح في وسائل التواصل دور كبير، فكم رأينا من مقاطع تعنيف الطلاب بشكل قاسي وغير مقبول، وكم سمعنا عن قصص تسلط بعض الأساتذة خاصة في الجامعات على الطلاب، مما أفقد المعلم شعبيته وأبوته على الطلاب، بحيث أصبح الطالب يرفض تلك السطوة، وقد يكون لانشغال الآباء بالعمل المجهد لتوفير متطلبات الحياة، يد طولي في غياب التواصل بين المدرسة والبيت فانقطعت دائرة المتابعة.
في النهاية، أعتقد أن الحديث طويل ومتشعب، ولا أحد يعفى من المسؤولية، فبعض المعلمين لا يستحقون أن يكونوا في هذا الموقع، فهم يحتاجون لكشف نفسي لتقييم نفسياتهم كما تقيم قدراتهم العلمية، وهنا أؤكد على احترام وتبجيل المعلم، فأنا أؤمن أن الخير في الأكثرية من معلمينا الأجلاء وهؤلاء ما هم إلا قليل صرخوا خارج السرب، أما بالنسبة للطلاب، فعليهم أن يعوا أن المعلم صاحب فضل، وله قدر ومكانة عليا، ويقع الدور هنا على الآباء لزرع شتلة الاحترام والتقدير في نفوس أطفالهم.
nahedratrout@gmail.com