أ. د. مسفر الوادعي


فعلى مدار العقدين الماضيين، شكّل إنشاء الكليات الجامعية في المحافظات توجهًا استراتيجيًا لرفع مستوى التنمية التعليمية، وتخفيف الضغط عن الجامعات المركزية، وربط التعليم العالي باحتياجات المجتمعات المحلية. غير أن هذا المسار الذي بدأ بآمالٍ واسعة اصطدم بتحديات متراكمة أدّت إلى تعثره في عدد من المناطق، فتحوّلت بعض الكليات إلى مبانٍ قائمة دون أثر حقيقي في التنمية، وأخرى أُنشئت دون تصور أكاديمي أو اقتصادي واضح، بينما بقي بعضها عاجزًا عن جذب أعضاء هيئة تدريس أو توفير بيئة تعليمية قادرة على المنافسة. ومع تسارع التحولات الاقتصادية في المملكة خلال العقد الأخير، تم إعادة الكليات الجامعية في المحافظات لتحمل مسمى الكليات التطبيقية بوصفها أحد أهم المشاريع التعليمية والتحولات النوعية في مسار الإعداد والتأهيل لسد الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، ولتقدم أنموذجاً تعليميًا مختلفًا، يعتمد على المهارات العملية، والبرامج المهنية القصيرة، والشراكات المباشرة مع القطاع الخاص. لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل نجحت الكليات التطبيقية الجامعية في أداء دورها؟ أم أنها تعثرت في طريق التنفيذ؟
فبالنظر إلى جوهر الفكرة نلحظ جمعياً نفاسة الفكرة وريادتها، حيث تم تصميم تلك الكليات لتكون حلولًا واقعية لسوق العمل، وليس مجرد مبانٍ أو برامج نظرية. صممت تلك الكليات للعمل على إعداد وتخريج فنيين ومهنيين متخصصين في قطاعات تتطلب تدريبًا ميدانيًا مكثفًا، مثل إدارة الأعمال التطبيقية، وتقنية المعلومات، والأمن السيبراني، والسفر والضيافة، والفنون الرقمية، والصيانة الصناعية، والقطاع غير الربحي، والصيانات المنزلية وغيرها، ومع ذلك وعلى الرغم من وضوح الفكرة، برز تعثر التنفيذ حيث لا تزال هذه الكليات أقل تأثيرًا مما كان مرجوًا، ما دفع المجتمع وأصحاب الأعمال إلى طرح علامات الاستفهام حول قدرت تلك الكليات على أن تكون جسرًا بين التعليم وسوق العمل.
وتعد نقص التجهيزات العملية من أهم أسباب تعثر تلك الكليات، فالتعليم التطبيقي يتطلب ورش عمل متنوعة، ومختبرات متقدمة، وأجهزة محاكاة، وقاعات تدريب ميداني، ومرافق عملية قادرة على تصميم تجربة تعليمية مختلفة، بينما في الواقع لازال عدد من تلك الكليات يعتمد على القاعات الدراسية التقليدية، أو المختبرات المحدودة التي لا تتناسب مع طبيعة البرامج المستهدفة؛ مما دفعها إلى الاستمرار في طرح برامج غير متوائمة مع سوق العمل، وتفتقد الصلة بتعزيز الاقتصاد المحلي ففي بعض المحافظات التي تعتمد على السياحة والمشاريع اللوجستية، تُطرح برامج في مجالات لا ترتبط بالاقتصاد المحلي. وفي محافظات صناعية، لا توجد برامج تصنيع أو صيانة متطورة، رغم وجود مصانع تحتاج إلى مهارات فنية.
وتبرز معاناتها كذلك في قدرتها على بناء الشراكات مع القطاع الخاص والحضور الضعيف في ذلك، والتي تعد الأبرز وحجر الأساس في النموذج العالمي للكليات التطبيقية باعتباره من يوفر التدريب الميداني العملي، ويقدم فرص التوظيف، ويساعد في تصميم المناهج؛ إلا أنها لا تزال تلك الشراكات في الواقع شكلية أو محدودة، وغالبًا بلا تدريب ميداني حقيقي. كما تعاني الكليات التطبيقية من قلة المدربين المؤهلين وعدم استقرار الكوادر بسبب ضعف الحوافز أو بُعد تلك المحافظات. وهذا يؤدي إلى انخفاض جودة البرامج الأكاديمية والتدريبية المقدمة وصعوبة بنائها على المدى الطويل.
ويبقى الطالب الحلقة الأضعف لمحدودية التدريب، وضعف المشاريع العملية، وقلة الفرص الوظيفية المرتبطة بالمخرجات تجعل الطالب المتضرر الأكبر من تعثر الكليات التطبيقية. ولتجاوز تلك الإشكاليات لابد من إدارة تلك الكيانات ككيانات مستقلة تدار بمنطلق المنفعة الاقتصادية وعقلية الشركات وفق استراتيجية تعليمية تدريبية مرنة في مواءمة التخصصات مع المزايا النسبية لكل محافظة على حدة بالتماشي مع استراتيجيات المناطق والقطاعات الثقافية والرياضية والبيئية والسياحية وغيرها. ومنحها مزيد من الصلاحيات في بناء الشراكات وصناعة الاستثمارات وجلبها للرفع من كفاءة رأس المال البشري، وتعزيز الإبداع والابتكار في تحليل السوق وطرح الفرص التعليمية النوعية بعيداً عن التنافسية في محيطات حمراء قاتلة للإبداع والابتكار.
وختاماً فالكليات التطبيقية الجامعية تمثل فرصة كبيرة، لكنها ما زالت بحاجة إلى إعادة تشغيل شاملة لضمان أن تكون رافعة حقيقية للتنمية.
malwadai@kku.edu.sa