أحمد عبدالرحمن سنكي


يعيش الإنسان وهو يظن أنه يمسك بزمام حياته، يتحكم في مصيره، يخطط، ويقرر، ويختار، وكأن العالم يدور وفق إرادته الخاصة. غير أن هذا الاعتقاد، مهما بدا راسخًا، ليس سوى وهمٍ عميق يتخفى تحت قناع العقل. فحين يتأمل المرء بصدقٍ في مسار يومه، يكتشف أن كثيرًا من قراراته ليست له بالكامل، وأنه، في الغالب، يسير في طريقٍ رسمته له اللغة، والمجتمع، والعادة، والتاريخ، وحتى اللاوعي الذي يسكنه دون أن يستأذنه.
الإنسان لا يعيش داخل إرادته، بل داخل شبكةٍ معقدة من التأثيرات التي تحيط به وتوجّهه من حيث لا يشعر.إن وهم السيطرة يبدأ منذ اللحظة التي يتعلم فيها الطفل أن يقول “أنا”، فهذه الكلمة الصغيرة هي أول تمرد لغوي على العالم، لكنها أيضًا أول قيدٍ عليه. لأن «أنا» ليست نابعة من فراغ، بل من اللغة التي سبقت وجوده، ومن المجتمع الذي صاغ له طريقة التفكير والنطق والتعبير. يتكلم الإنسان بلسانٍ ليس لسانه، ويفكر بأدواتٍ لم يصنعها بنفسه. وكلما ظن أنه يعبّر بحرية، كان يعيد إنتاج الكلمات نفسها التي وُلدت قبله بقرون. اللغة تزرع فينا الوهم بأننا أصحاب القرار، بينما هي التي تحكمنا من الأعماق، تقرر ما يمكن قوله وما لا يمكن، ما يجوز التفكير فيه وما يُحظر حتى أن يُتخيّل.
ثم يأتي المجتمع ليضيف طبقته الخاصة من السيطرة. الإنسان، في جوهره، كائن يبحث عن القبول، يهرب من العزلة، يخاف أن يكون خارج السرب. ومن أجل ذلك، يتنازل شيئًا فشيئًا عن قراراته، يلبس ما يراه الناس لائقًا، ويعمل فيما يضمن له الاحترام، ويتكلم بما لا يثير الريبة. ومع مرور الوقت، يتقن هذا الدور حتى ينسى أنه دور. فيتحول إلى ممثلٍ بارعٍ في مسرح الحياة، يؤدي ما يُنتظر منه لا ما يريد هو حقًا. في هذا السياق، يصبح الإحساس بالسيطرة مجرد تعويض نفسي عن الخضوع المستتر.
حتى في أكثر لحظات التمرد، حين يظن الإنسان أنه خرج من القيد، يكون قد انتقل فقط من سلطةٍ إلى أخرى. المتمرد يظن أنه حرّ، لكنه في الحقيقة محكومٌ بردّ فعلٍ على سلطةٍ سابقة. الحرية التي يعلنها ليست سوى الوجه الآخر للعبودية. ولعلّ أشدّ مظاهر الوهم عمقًا هي تلك التي يولدها العصر الحديث، حين يقدّم للإنسان أدواتٍ ضخمة توهمه بالتحكم في كل شيء: التكنولوجيا، الشاشات، الذكاء الاصطناعي، أنظمة القياس، التطبيقات التي تتابع صحته ونومه ومزاجه. لكنه، في الواقع، لم يكن يومًا أكثر خضوعًا منها الآن. فهو يسلّم بياناته طواعية، ويمنح حياته للآلة التي تُغذيه بما يشاء أن يرى ويسمع، حتى باتت إرادته نفسها نتيجة خوارزميةٍ خفيةٍ تحدد له ما يحب وما يكره.
وكلما ظن أنه يملك السيطرة على العالم، وجد أن العالم يزداد ابتعادًا عن فهمه. الطبيعة تذكّره بعجزه مع كل زلزالٍ أو عاصفةٍ أو مرضٍ مجهول، والموت يذكّره بأن كل ما بناه يمكن أن ينهار في لحظة. إن شعور السيطرة ليس سوى محاولةٍ لتهدئة رعب الإنسان من المجهول، كأنها قصةٌ يرويها لنفسه كي يستطيع النوم. فالحياة لا تُروّض، والوجود لا يُختزل في أزرارٍ وخططٍ ومواعيد.
الحكمة الحقيقية ليست في أن نحكم العالم، بل في أن نتعلم كيف نسير معه بوعي واتزان. فبدل أن نبحث عن السيطرة المطلقة، يمكننا أن نبحث عن الفهم، لأن الفهم هو الشكل الأعمق من السيطرة. حين يدرك الإنسان حدود قدرته، يبدأ في اكتشاف ما يمكنه فعله حقًا، لا ما يتوهم أنه قادر عليه. إن القبول بضعفنا لا يعني الاستسلام، بل يعني أن نرى الأشياء كما هي، لا كما نريدها أن تكون. فالعالم لا يُقاد بالقوة، بل بالانسجام معه.
قد يكون سرّ الحرية أن ندرك أننا لسنا منفصلين عن هذا الكون، بل جزء منه، نؤثر فيه بقدر ما يؤثر فينا. حينها يصبح الفعل أكثر صفاءً، والقرار أكثر وعيًا، والحياة أكثر بساطة وامتلاءً. فليس المطلوب أن نتحكم في الوجود، بل أن نفهم إيقاعه، وأن نشارك في رقصته دون خوف. وحين نصل إلى تلك الدرجة من التوازن، نكتشف أن الحكمة لم تكن يومًا في السيطرة، بل في السلام الذي يأتي حين نتوقف عن مطاردتها.
ahmadsinky@hotmail.com