احتجت أن اشتري مرآة صافية تعكس الرؤيا بوضوح لايشوبها شائبة وتعطي الأبعاد والملامح قياسها الحقيقي؛ توقفت عند مرآة محاطة بإطار كرستالي أنيق عكس الإضاءة بشكل جميل أسرتني المرآة وجودتها العالية عكست ألوان ردائي باحترافية دقيقة وظننتني التقي بتؤمي وأَظهرتْ خلفي من زجاج المحل الشفاف شجرة بصم عليها الخريف بصمته فزهت بأغصان وجذع بني غامق وتزينت بأوراق برتقالية متفاوتة تدرجاتها تساقط بعضها وتأرجح بعضها معلنا عن قرب سقوطها وتمسك بألأغصان معظمها؛ فطلبتُ من ابنتي صفية أن تلتقط لي صورة من خلال المرآة وبمهارة اختارت زاوية أظهرتني وكأنني واقفة تحت الشجرة وانبساط المراية وجودة صنعها أظهرت الصورة وكأنها التقاطة حقيقية وليست انعكاس، غادرت المحل برفقة المراية وسَّر بها الركن الذي زينها.
في المساء تأملت الصورة كان جذع الشجرة عن يميني وأغصانها مرتفعة بأشبار عني وبميول تحيطني، جمال الصورة صحبني في رحلة تحليل وحديث أنيق مع الذات وقلت فيه : نحن والأشجار نتشابه في الأصول فكلنا متجذرون في الأرض نمتد منها ونعود إليها، نحن وهي نحتاج مقومات لنعيش الماء والضوء والطعام ونحن وهي نكبر ونطول ونحن وهي نأسس حياة؛ حياتها أوراقها وحياتنا أسرنا، أعمالنا، أحبابنا وانجازاتنا، هي تتساقط أوراقها وتنمو متأثرة بالفصول وماذا عنا؟ منعطف انحنى بفكري إلى طريق جديد فيه كمن الإختلاف بيننا فأولت الحقائق لنتشابه ولكل منا في تأويل الحقائق مذهب وتفسير ففسرت سقوط ورقة إيحاء بفراق عزيز وسقوط أخرى إعلان عن سقوط قناع انكشف بعده الإدعاء وقد تسقط لتدل على انتهائها من انجاز تنمو بعده فكرة انجاز، وقد يشير سقوطها على انتهاء مسيرة عمل تكللت بالرضا وشعرتْ بأن الوداع حان.
أغمضت عيني وتبسَّمتْ وقلتُ نعم نحن والأشجار نتشابه كثير غير أنها تتأثر بالفصول ونحن بمواسم الحياة نؤثر ونتأثر، قررت أن أُسقط ورقة كتبتُ عليها بكل تقدير»في صحيفة اليوم العريقة سيكون هذا مقالي الأخير فقد أمدتني سنواتي الخمس الماضية في ربوعها برضا و فرح عظيم و زرعتُ فيها مقالات ستبقى لمن يتصفح ماضيي فيها أثر بإذن الله جميل»
ishe333@gmail.com