عبدالله العزمان يكتب:


حين تتسارع الأفكار كما تتسارع التقنية، ويصبح النقاش جزءًا من الحياة اليومية، قد نتخيل أن العقول باتت أكثر انفتاحًا، لكن الحقيقة المؤسفة أن كثيرًا من العقول – رغم توافر المعرفة – لا تزال محاصرة خلف قضبان وهمية صنعتها “الأنانية الفكرية”، إنها ليست أنانية الجيب أو الجسد، بل أنانية العقل؛ حين يرفض الإنسان رؤية غيره، لا لأن الآخر مخطئ، بل لأنه «ليس أنا».
وهنا دعوني اتحدث بتفصيل أدق عن مفهوم ما يعرف بـ»الأنانية الفكرية»، فهذا النوع من الأنانية هو الميل إلى الاعتقاد بأن أفكار الفرد وما يصاحب هذه الأفكار من معتقدات وتصورات متنوعة، يرى الإنسان بأنها هي الأصح بالمقارة مع بقية أقرانه من البشر، وقد يصاحب ذلك عوامل عدة مؤسفة أبرزها التقليل من شأن أفكار الآخرين أو حتى تجاهلها، وإذا كانت الأنانية الكلاسيكية تُقاس بما يمنعه الفرد عن الآخرين من مال أو جهد، فإن الأنانية الفكرية تُقاس بما يمنعه عن نفسه من نمو وتطور.
قد يحصل مع الإنسان حين يكون في جلسة عائلية أو خلال برنامج حواري، أو على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي، أن يتم طرح رأي مخالف لما يراه، فيتحول ذلك النقاش بشكل تلقائي إلى معركة..
ويصاحبها أن تعلو فيها الأصوات، وتتطاير الاتهامات، ويغيب السؤال الأهم: «لماذا يفكر الآخر بهذه الطريقة؟»
وفي بيئة العمل، يُرفض مقترح موظف شاب فقط لأنه جديد.
وفي الساحة الثقافية، يُقصى المختلف لأنه لا يردد ما اعتاده الجمهور.
إن الجهل المركب، والخوف من زعزعة القناعات، والغرور المعرفي، والبيئة المنغلقة التي لا تشجع التساؤل، تسهم في تعطيل الحوار، وإعاقة التعلم، وتفكيك المجتمعات، وتعطيل الإبداع.
وللنجاة من تبعات ذلك، يوصى بتشجيع وترسيخ الحوار في التربية، وتحفيز التنوع في المؤسسات، وتشجيع النقد الذاتي، والاحتفاء بالاختلاف وليس الخلاف.
ومسك الختام، أن نقول بأن العقول التي لا تسمح بمرور الهواء تموت اختناقًا. والانفتاح الفكري ليس ترفًا.. بل ضرورة حضارية.
قال الشافعي -رحمه الله-:
رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
azmani21@hotmail.com