بدر صالح الدوسري


عندما يُزفّ المولود الجديد إلى الحياة، ويخرج من رحم أمه، نترقب بكاءه بفارغ الصبر، فهو ليس مجرد صوت، بل هو إعلان عن فرحتنا العميقة بهذا الكائن الصغير، الذي يحمل في عينيه بريق الأمل ومشاعر الحب.
ورغم الألم والتعب الذي مرت به الأم، فإن لحظة خروج الطفل تجعلها تنسى مشقة الرحلة، لتبدأ مشوارها مع الأب في تربية هذا الملاك. سبحان الله، كيف يمر شريط الحياة سريعًا، من محاولة العناية إلى محاولة فهم بكاء الطفل ومعانيه. هل هو يبكي جوعًا، أم متألمًا، أم لأنه يشعر بالبعد عن أمه؟ ومع مرور الأيام، تبدأ رحلة تعليم الطفل المشي والكلام، وتتغير الخطط والأحلام من أجل تربيته.
لكل إنسان على هذه الأرض قدر مكتوب منذ أن كان في بطن أمه، وفي كل يوم هناك من يُولد وهناك من يرحل. ويبقى الأثر، وما زال البكاء هو قلم التعبير عن مشاعرنا في الفرح والحزن. لكن ما أصعب دموع الفقد. فعندما فقد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ابنه إبراهيم، حزن حزنًا شديدًا، وقال: «إنَّ العينَ تَدْمَعُ، والقلبَ يَحزَنُ، ولا نقول إلا ما يُرضي ربَّنا، وإنا بفراقكَ يا إبراهيمُ لمَحزونون». تعكس هذه الكلمات عمق المشاعر الإنسانية في مواجهة الفراق، مما يذكرنا بأن الألم جزء لا يتجزأ من الحياة.
والموت هو سنة الحياة، ولن ينجو منه أحد، ودائمًا، تكون الأم مختلفة في كل شيء، حتى في رحيلها. فكم من أم أصبحت أمًا قبل زواجها بسبب رحيل والدتها، حيث عملت مع والدها على تربية أخواتها وإخوانها الصغار حتى أصبحوا كبارًا. ومن الأمثلة على ذلك، المربية والأستاذة الفاضلة إيمان دعيج الدوسري، التي كانت أمًا لأخواتها قبل أن تتزوج وتصبح أمًا لأبنائها وبنتها. لقد كانت نموذجًا حيًا للتضحية والعطاء، حيث لم تقتصر تأثيراتها على أسرتها فقط، بل كانت معلمة مميزة درّست آلاف الطلاب في الصفوف الدنيا في أحد المدارس المميزة بالمنطقة الشرقية.
في ثاني أيام العزاء، جاء أحد أولياء الأمور، الذي كان ابنه طالبًا لديها حتى قبل رحيلها بأسبوعين، ليقول: «كنت أعمل في الولايات المتحدة الأمريكية لأكثر من عشر سنوات، وكانت لغة ابني العربية ضعيفة جدًا، ولكن منذ أن أصبح طالبًا لديها، تغيرت لغته العربية تغيرًا جذريًا، والفضل لله ثم لأم يوسف». وكانت كلماته تعبر عن حب ابنه بمعلمته، وحزنه على رحيلها، وامتنانه بدورها في تأسيس ابنه بشكل مميز رغم التحديات. لقد كانت كلماته كبلسم على قلب والدها وزوجها وذويها، فهي مصدر فخر واعتزاز وقدوة للأجيال .
هي ابنة بارة بوالديها، وكانت عونًا بعد الله لوالدها عندما رحلت والدتها -رحمها الله- بعد معاناة من المرض. ولم يتوقف عطاؤها، بل استمرت في ترك الأثر، حيث ربت أخواتها حتى تزوجن، وكلهم -بفضل الله- ثم تربيتها زوجات صالحات.
رحم الله أم يوسف وجميع أمهات موتى المسلمين. لذلك، على عاتق كل إنسان لا يزال قلبه ينبض في هذه الحياة أن يحرص على ترك الأثر الطيب، فالأجساد سترحل يومًا ما، ولكن الأثر لا يرحل، وتبقى الدموع تنهمر في البداية والنهاية.