ما زلت أتذكر عندما كنت صغيرا أجلس على عتبة البيت، انتظر سماع أذان المغرب من أجل الإفطار في شهر رمضان الكريم، حيث كان الحر شديدا، والنهار طويلا في فصل الصيف. وأما اليوم، فقد أصبح رمضان يأتي في فصل الشتاء والأجواء باردة، فلا نكاد نشعر لا بالجوع ولا بالعطش، وتلك من نعمة الله علينا. وللفائدة والمعلومية، فدورة رمضان الموسمية تمر على الفصول الأربعة خلال ما يقارب «33» سنة قمرية. أي أن الطقس لهذا الشهر الفضيل يأتي تارة حارا، وتارة باردا.
وبناءً على ما ذكرت، فالإنسان يعرف الأشياء بأضدادها. فنحن نشعر بفضل البرد لأننا كنا نعاني من الحر في فصل الصيف، ونعرف قيمة الفرح بعد أيام المعاناة والحزن، ونتذوق طعم النجاح بعد مرارة الفشل. بل أننا عرفنا قيمة الحياة وأهمية الوقت حين نرى الموت يتخطف أحبابنا وأصدقاءنا.
والحديث عن رمضان والتقلبات الموسمية المناخية يقودنا إلى الحديث عن أن الإنسان لديه تقلبات وأمزجة متناقضة كذلك. فهو مثلا يفكر في الغالب في المفقود، وينسى الموجود! أي لا يشكر النعم الكثيرة التي بين يديه، ويفكر في القليل الذي حُرم منه. والشاعر يقول: يتمنى المرءُ في الصيف الشتاء.. فإذا جاء الشتاء أنكره. فهو لا يرضى بحال واحد.. قُتلَ الإنسانُ ما أكفره!
والتغيير في أجواء رمضان من عقد إلى آخر، يدلنا على أن التغيير هو الأصل في الحياة لا الثبات. والذي عاش منا فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي «جيل الطيبين» يشعر بسرعة هذا التغيير، فإيقاع الحياة اليوم هو مختلف تماما عن الأمس. ومن الملاحظ أيضا أن التقنية الحديثة ساعدت وبشكل كبير على هذا التغيير والتطور، وهو ليس فقط على مستوى الأجهزة والآلات والمعدات وغيرها، بل إن تأثيره لامس الحياة النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ومن مظاهره التغيير لبعض من العادات والتقاليد التي كانت مناسبة لفترة معينة من الزمن قد خلت.
أضف إلى ذلك، أن إدراك الزمن والإحساس به قد تغير، ولعله يكون مصداقا لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار». و»كالضرمة بالنار» معناها كإشعال عود الثقاب أو القصب، أي دلالة على شدة قصر الوقت. والمتأمل للواقع يجد ذلك كالحقيقة، فبالأمس القريب بدأ رمضان، واليوم قد مر أسبوع كامل منذ انطلاقه!
فإذا كانت الأعمار والأوقات تمضي سريعا، فدورنا هو الاستفادة من الوقت قدر المستطاع، وبحسب القدرة والهمة، فليس كل منا سيتمكن أن يضبط وقته كمثل «جهابذة الأوقات». فقد روي أن المجد ابن تيمية -رحمه الله- «هو جدُّ شيخ الإسلام ابن تيمية» كان وهو في الخلاء، يأمر بعض غلمانه أن يقرأ له شيئا من العلم حفظا لوقته من الضياع! ويؤكد على هذا المفهوم، ما جاء في الحديث النبوي: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحةُ والفراغ» وعلق الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- على هذا الحديث فقال: وأشار بقوله «كثير من الناس» إلى أن الذي يوفق لذلك قليل.
إذا الواقعية في التطبيق لابد منها، فلا يمكن للجميع أن يكونوا كمثل المجد ابن تيمية في حرصهم على أوقاتهم! ولكن المراد أن الحرص على الوقت يكون بلا تشدد مُنبت أو تفريط مخجل.
@abdullaghannam