أ.د.هاني القحطاني

hanih@iau.edu.sa

أستاذ يفسّر معنى الفلسفة لتلاميذه : «الفلسفة هي مادة تحاول إقناع الـناس بأن رجلا أخرس قال لـرجل أطرش إن رجلا أعمى شاهد رجلا مشلـولا يلـحق برجل مقطوع الـيدين لـيمنعه من شد شعر رجل أصلع» ، وبقدر ما يبعث هذا النص على الفكاهة فإنه في منتهى الـبلاغة وهو ينم عن قريحة فذة في تخيل الأمور والتعبير عنها.

هذا من باب الـبلاغة النحوية وسعة الخيال.

- أما من باب الحقيقة فإن ذلـك الإبداع الـتصويري والـلـغوي ينقلب عكسه تماما في الـدرجة والاتجاه. ومن اسمها فالـفلـسفة تعني طلـب أو حب الحكمة وهل هناك قيمة في الحياة أجل من الحكمة؟ وعندما نهض العرب في مجدهم في القرنين التاسع والعاشر الميلادي كانت الفلسفة اليونانية وترجمتهم لـها وتفاعلـهم معها علامة فارقة في الحضارة الـعربية آنذاك ربما لم يتجاوزها الفكر العربي إلى اليوم.

- قد لا يحتاج المرء في تفاصيل حياته الـيومية للفلسفة، أكان ذلك في المتاجر، أو صالات الـرياضة، أو في الطابور الصباحي في المدارس،أو في أي محفل اجتماعي كان.

غير أن الفلسفة ضرورة ملحة لـبناء مجتمع معرفي مدني سلـمي فكري متنور راسخ الأركان، الـفلـسفة هـي سؤال الحقيقة، حقيقة كل شيء.

الفلسفة تفرش الأرض ممهدة لاستكشاف كل ما من شأنه أن يبعث على التأمل والتفكر في الحياة على جميع المستويات.

- بغض الـنظر عن الموقف تجاهها، هي ثمرة قرون طويلة من الفلسفة، ويكفي أن كتاب نيوتن في الـفيزياء والـذي وضع فيه قوانين الجاذبية في الـقرن الـسابع عشر اندرج في غلافه تحت مسمى الفلسفة.

لقد كانت الفلسفة هي الدافع الفعلي وراء ازدهار العلوم في الـغرب وما تلاها من حركات الإصلاح الـديني وعصر الـنويري وصولا إلـى تسيد الغرب المشهد الثقافي.

- وفي محيطنا الـعربي والإسلامي كان هـناك حراك فكري عام كان للفلسفة فيه نصيب وافر. فها هـم المعتزلة وها هـو الـفارابي وابن سينا وإخوان الـصفا وغيرهم، وربما كان ابن رشد هـو النجم الـساطع في سماء الـفلـسفة الـعربية، والـكثير من الأدب العربي وثيق الصلة بالفلسفة. ولذلك فأننا معنيون أو هكذا

يجب ان يكون بتركة الفلسفة

في تراثنا الـثقافي بالـرغم من

الـصعوبات الـتي تعتريها، صحيح أن الـفلـسفة تم تحجيمها، لـكن هـناك إرثا لا بأس به من الـتراث الفلسفي يمكن الـبناء علـيه في سبيلالمستقبل. وفي مؤشر ذي مغزى فإن خريج الجامعة الحامل لـدرجة الـدكتوراة يقرأ في وثيقة تخرجه «درجة الدكتوراة في الـفلـسفة» . هـذا الـتقلـيد الأكاديمي يؤكد ويضع الأمور في نصابها الـصحيح فيما يتعلق بمفهوم الدرجة وأهمية الفلسفة في المجال التعليمي الـذي منحت فيه الـوثيقة. وهذا يعني أن كل حامل لهذه الشهادة قد حصل على قدر من الحكمة تؤهله لأن يكون حكيما «فيلسوفا» في تخصصه. هكذا تنص الوثيقة وهكذا يفترض أن تجري الأمور. وبقدر ولاء حامل الوثيقة لدرجته ولمفهوم الفلسفة الـذي يميز صاحبها عن غيره، يتحدد مدى ارتباطه بالفلسفة وبمدى استحقاقه لدرجة الفلسفة في تخصصه، الفلسفة ضرورة منهجية لبناء مجتمعات معرفية واعدة.

* أستاذ العمارة والفن بجامعة الأمام عبدالرحمن بن فيصل

hanih@ iau. edu. sa