- تشغلنا هذه الحياة بصخبها وجمالها ومشاغلها ومشاكلها، ولكننا سنرحل منها يوماً كما رحلوا، ولن يبقى إلا ما قدمناه.
لن يبقى لنا ما طعمنا بل يبقى لنا ما أطعمنا!
لن يبقى لنا ما لبسنا بل يبقى لنا ما ألبسنا!
لن يبقى لنا ما جرحنا بل يبقى لنا ما أصلحنا!
- ولذلك يجب أن نهتم بالعطاء والإنجاز، ونسعى لأن يكون لوجه الله، ونحذر من أن نكون السيد عادي الذي ولد عادياً، ونشأ عادياً، وتخرج من الروضة طفلاً عادياً، ثم من الثانوية طالباً عادياً، بدرجة عادية في القدرات والتحصيلي، ثم التحق بالجامعة وحصل على معدل عادي، وتوظف في وظيفة عادية، وقدم أداءً عادياً، وتزوج بزوجة عادية زواجاً عادياً، ثم جاءه أولاد رباهم تربية عادية فأصبحوا نسخة عادية منه، ثم مات ميتة عادية، وصلى عليه مجموعة من الناس العاديين.
وهناك مع شديد الأسف من يحيا حياة أقل من عادية، فيتحول إلى السلبية والأذى، والعادي أرحم من مثل هذا!
- قبل أيام رحلت عمتي كبيرة السن (أم هذال) رحمها الله، لم تكن متعلمة ولم تحمل شهادة عالية، ولكنها حرصت ألا تحيا حياةً عادية، في صغرها ربت شقيقاتها وشقيقها وكان عمرها عشر سنوات، وقامت بشؤون والدها، وفي كبرها كانت تسابق في كل طاعة، صوّامة قوّامة، وعندما ترى الخطأ تحرص على التوجيه والإصلاح، كانت تشتكي لي قبل وفاتها بأنها لم تعد تستطيع الوقوف لقيام الليل لأن قدميها لا تحملاها، وتشتكي أنها لم تعد تستطيع صيام الاثنين والخميس، كان القائل يقول لها: هذه سنن، وأنت تصلين الفريضة ورواتبها ولله الحمد! فتقول: لا! لا يكفي!
لم تكن تحرص على الشراء والذهاب للأسواق، والسفر، بل إنها لم تعرف مطعماً ولا مقهى ولا حتى جوالاً ذكياً، وكانت ترى أنها من المشغلات والمدمرات.
- وعاشت بسعادة واضحة حتى آخر يوم في حياتها، وبعد رحيلها وجدنا أنها والدة للجميع، فالكل يبكي على أمه، الكبير والصغير، والسعودي وغير السعودي، فلمساتها الحانية وعطاؤها وصل لكل واحد منهم، و وجد أولادها بين أغراضها المخفية سندات لبناء مسجد وأوقاف شاركت فيها مع عيشها عيشة الكفاف، فقد كانت تأخذ المال الذي يأتيها وتحوله إلى مشاريع الخير وما يبقى حقيقة للإنسان.
- هل ندم أولادها ومحبوها على ما قدمته؟ لا! بل فرحوا به وفاخروا، لأنه الباقي وكل ما سواه فانٍ، ومع ذلك نترك الباقي ونتحارب على الفاني.
@shlash2020