عبدالله الغنام

- منذ تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة اشتهر ما يسمى (تلفزيون الواقع)، وهو تصوير مباشر لحياة المشاهير أو من كان على شاكلتهم من دون نص مكتوب. واليوم ترسخت الفكرة أكثر، وصارت شبه عادية بسبب النهم المفرط في استخدام برامج التواصل الاجتماعي حيث أصبح تصوير التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية ولما يدور في البيوت أمرا شائعا ومستساغا! بعد أن كانت للبيوت هيبتها وخصوصيتها وأسرارها.

- ومن البديهي أن كثرة عرض المشاهير لحياتهم الشخصية و(البيتوتية) له تأثير على المتابعين، فقد قيل في المثل: كثر الدق يفك اللحام!! وللأسف أن أغلب هذا التأثير سلبي. والمتأمل يجد أن المسألة لم تقتصر على حفلات الميلاد أو التخرج والنجاح، بل هناك حفلات لأقل سبب وبدون سبب! فالبعض يبحث عن أي شيء قابل للتصوير ولو كان قطعة حجر؟! وحتى شراء لعبة أو هدية لطفل أصبحت مادة دسمة للتصوير والتعليق، والأسوأ حين نبين أننا ضحينا من أجل ذلك! وفي المقابل نجد أن آباءنا وأجدادنا قد قدموا لنا الكثير والكثير مع قلة ذات اليد، ولم يكونوا يتفاخرون بما يبذلون لأنهم يرون أنه أمر طبيعي أن يضحي الأب والأم بالمال والوقت والجهد لأبنائهم (فليس فيه شيء جديد) فمنذ ظهور البشرية، وهذه هي فطرة الآباء والأمهات السوية.

- والحقيقة أن كثرة التصوير والمبالغة فيها يفقدها اللذة والمصداقية، وربما نخسر الأجر بسبب التباهي، فقد جاء في الحديث: «إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة». بل إن من كمال الكرم والبذل والعطاء أن تخفي ما تقدم لا أن تصوره للملأ!

- النقطة الأخرى أن كثرة التصوير والتسجيل لمقاطع فيديو أفقدها حلاوة الذكريات التي يخزنها الذهن البشري، فعقولنا تلتقط صورة ذهنية جميلة تبقى عاقلة لزمن طويل، ولكن حين نلتقط ونصور كل شيء نقوم به سنفتقد لذة الذاكرة والتخيل المرسومة في أذهاننا. فما زال الجيل السابق (الطيبين) يحمل في وجدانه الكثير من الذكريات الرائعة للأسرة والأصدقاء بدون أن يلتقط صورة لكل كبيرة وصغيرة. فالصور الذهنية للماضي لها طابع خاص على القلوب قد تكون أفضل وأحسن من أي صورة تذكارية فوتوغرافية.

- وأضف إلى ذلك، أن ليس كل شيء يفضل فيه التصوير! فتخيل معي لو أنك أعطيت أحدهم هبة أو هدية أو لعبة أو مالا ثم صورت ذلك للعالم كله، فأي عطاء هذا! بل الأسوأ أن يصبح عادة، فكلما قمت بعمل تطوعي أو خيري أو أسري، صورته وأرسلته للآلاف من البشر، فلعل منهم من لا يستطيع أن يجد قوت يومه أو هو يعيش على الكفاف! فالنقطة المهمة والجوهرية هي: ما الفائدة المرجوة من ذلك التباهي والتصوير للعامة؟

- وفي الجانب الآخر لعل البعض سيقول: إن الكاتب يبالغ! فدع الناس يعيشون تلك اللحظات والذكريات ولا تحجر واسعا، ولكن الواقع أن الشيء إذا زاد عن حده انقلب ضده، فقد يكون كثرة التصوير للتفاصيل والخصوصيات سببا للحوادث أو السرقات أو التحاسد والتباغض. بالإضافة، أنها تفقدنا مسألة العفوية والصدق، وربما تصبح مدعاة للتباهي والتفاخر، وهي أيضا تنافي صفة الكرم والعطاء والبذل والتضحية. نعم، من حق المرء الاستمتاع مع الأسرة والأقرباء والأصدقاء، ولكن ليس على العالم أن يعرف كل شيء، وعن أي شيء عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فالخصوصية لها طعم وذوق وجمال يختلف تماما عن النشر للجميع، ولكنها اليوم هي في مهب الريح!

- والمقصود، أن ليس كل مناسبة أو حدث قابل للتصوير والنشر، فالبيوت لها أسرار وخصوصية، وكذلك البذل والعطاء الخفي أسلم وأعف.

@abdullaghannam