hanih@iau.edu.saأ. د. هاني القحطاني

يعرض هذه الأيام في دور السينما فيلم أوبنهايمر أب القنبلة الذرية الأمريكية. وبالرغم من أن الفيلم يتناول قصة صناعة القنبلة الذرية بتفصيل ممل إلا أن شخصية أوبنهايمر نفسه العالم المسؤول عن المشروع وما صاحب سيرته في مشروعه ذاك في سياق الأحداث التاريخية التي صاحبته هي ما يضفي على الفيلم قيمته الفنية وربما التاريخية أيضا. والفيلم هو إلى الأفلام الوثائقية أقرب منه إلى أفلام الإثارة أو الدراما أو الأكشن أو الخيال العلمي كما هو حال معظم الأفلام الأمريكية. تختلف آراء الناس حيال الفيلم ومحتواه وما يهدف إليه. غير أنه يطرح - عن قصد أو غيره - مسائل جوهرية في صلب السياسة الدولية اليوم بل ويتعدى الأمر كذلك وصولا إلى مسألة الأخلاق وموقف العلم والعلماء من توظيف منتجات العلم في الصراعات بين البشر.

لعل أهم ما يستنتجه المشاهد للفيلم هو التناقض الصارخ بين المجد الذي بناه العالم الفيزيائي ذاك وبين ما آلت إليه أموره بعد النجاح التاريخي الذي حققه مشروعه إثر إسقاط القنبلتين النوويتين على كل من هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين في ختام الحرب العالمية الثانية. فمن مقدمة الفيلم النارية التي تملأ الشاشة صوتا وصورة يستجلب الفيلم الشخصية الأسطورية برموميثيوس التي تتحدى الآلهة الإغريقية ويأخذ النار منها ليقدمها للبشر في إشارة رمزية لدور العلم والمعرفة في التحكم بحياة البشر. أوبنهايمر قصة صعود عالم فيزيائي في سلم السياسة ثم هبوطه مرة أخرى ثم إعادة الاعتبار إليه وسط تقلبات سياسية وإدارية في المؤسسة السياسية والإعلامية. وكما هي حال دوائر صناع القرار في كل دول العالم فقد صاحب صعوده ذلك أحداث جعلت منه في نظر بعض رجالات الجهاز الإداري شخصية مثيرة للشكوك مما جعل منه هدفا لتحقيق حكومي مطول حول انتماءاته السياسية وأفكاره الشخصية.

بعيدا عن سيناريو الفيلم وحواراته الطويلة والمملة وربطه المتكرر بين التاريخ والحاضر في شخوص ومشاهد الفيلم يطرح الفيلم مسائل هامة في السياسة والأخلاق وتحديدا في توظيف العلم من قبل الساسة. لقد كان تأنيب الضمير (أشعر بأن يدي ملطختان بالدماء) كما قال للرئيس هاري ترومان في المكتب البيضاوي هو شعوره بعد ما رأى تأثير اختراعه المرعب على البشرية. لقد كان شعورا - والعهدة بطبيعة الحال على الراوي - نابعا من أعماق قلبه، غير أن الرئيس تحمل عبء ذلك الشعور عندما قال له إنه لا أحد سيتذكر من صنع القنبلة بل سيتذكر من أمر بإلقائها ثم أمر مدير المكتب بألا يراه ثانية. لقد كان أوبنهايمر مدفوعا في مشروعه ذاك باستخدامه ضد ألمانيا النازية إلا أنه قد استخدم ضد شعب آخر غير ما كان يخطط له في الأساس. وقد أضفى ظهور أينشتاين في بداية الفيلم ونهايته - في لقطات سريعة وحوارات خاطفة إضافة إلى عالم الذرة نيلز بور الذي كان له تأثير حاسم على أوبنهايمر في توجيهه إلى الولايات المتحدة مصداقية ونكهة تاريخية كسرت من طول الحوارات الطويلة التي انتهجها الفيلم في تقديمه.

أحداث الفيلم كانت متزامنة مع نهايات الحرب العالمية الثانية عندما لم يكن هناك أي سلاح نووي. لقد كان هناك اثنتان فقط من هذا السلاح أما اليوم فإن سباق الأسلحة النووية وانتشارها عبر العالم يتصدر نشرات الأخبار حول العالم يوميا وهناك الآلاف من الأسلحة النووية التي وبمجرد التفكير فيها تجعل المرء يصاب بالذعر والهلع مما سيؤول إليه حال الكوكب في حال نشوب نزاع دولي. وهنا يتوقف المشاهد لبرهة ويستذكر أحداث الفيلم. «هل أنت مستعد لمواجهة الأفعى خلف الحجر الذي ستحركه» كان هذا رد نيلز بور على أوبنهايمر في بداية مشروعه في إشارة إلى الجحيم الناتج عن صنع مثل هذا السلاح. هل العالم فعلا مستعد لذلك؟.

* أستاذ العمارة والفن بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل