رغم أننا نعيش في حقبة زاهرة وحازمة ضد الفساد بكافة أشكاله، سواء كان ماليًّأ أم إداريًّا، ورغم التطور العظيم الذي نشهده في مختلف قطاعات الدولة، والسعي الدؤوب للقائمين عليها بالتحوّل والتطوّر والاهتمام بجودة المُخرَج، والاهتمام بالشفافية، وتطوير الموظفين وتقدير المتميزين منهم، إلا أننا ما زلنا، للأسف الشديد، نرى ونسمع الكثير من الاعتراضات والامتعاض والتذمر حيال أمور التقييم السنوي للموظفين في بعض الجهات، في ظل انعدام معاييره الواضحة أحيانًا؛ خاصة أن التقييم هو بوابة تحسين وضع الموظف ورفع معنوياته.
ومما يثير الأسف حقًّا ابتلاء الموظف بإدارات متخبطة ومزاجية وغير منصفة، وغير عملية في عمليات التقييم، فيقع الموظف ضحية لهذه العقليات الغريبة بالفعل، والبعيدة كل البُعد عن الحكمة والقيادة الحيادية الساعية لصنع مجتمعات عملية صحية تقوم على المنافسات الشريفة العادلة، وتفتح الآفاق للتميّز على مستوى العمل والموظفين، فقد وصل الحال ببعضهم أن يحكم على الموظف من آراء زملائه المقربين لهذا المدير لسبب أو لآخر - والذين في العادة يشعرون بالنقص أمام هذا الموظف أو الخوف منه لأفضليته الحقيقية عليهم - فيقرر الإساءة له في التقييم وإلحاق الأضرار النفسية والمالية عليه لأمر شخصي ومزاجي لا يمتُّ للنزاهة والعملية بصلة!
وبعيدًا عن الإسقاطات الدينية، والتذكير بعاقبة الظلم الوخيمة في الدنيا قبل الآخرة، إن مثل هذه التحزبات والسلوكيات المشينة في بيئات العمل هي أساس الإحباط، وإحساس الموظف بالخوف والقلق وعدم الشعور بالأمان، فالموظف الذي يرى أنه رغم محاولاته واجتهاده مرفوض ومحروم من المكافآت المالية والمعنوية والنقاش أصلًا في حقوقه وتقييمه قبل اعتماده وتوقيعه سيشعر بالتأكيد بالإحباط، والموظف المحبَط لا يمكنه تقديم أفضل ما لديه، خاصة إذا كان التقييم مفتقدًا لأركانه الاحترافية، كما أنه لن يتمكّن من المبادرة والعمل بشكل يمثله بالفعل ويُبرز تميّزه وإبداعه؛ لعلمه المسبق بأن الأحكام عليه، بشكل غير منصف، قطعية؛ لمجرد أنه لم يُعجب فلانًا أو فلانًا، وليست على جهوده وأعماله.
وأعتقد أنه مع وجود هذه الممارسات المسيئة لخطط التنمية وأهداف التطوير، وقياس المستوى والتحفيز على التقدم للكفاءات الوطنية، وبالتالي تنفيرها، والتسبب بتنقلاتهم الكثيرة بين مختلف الجهات، وتضخّم الرواتب، أنه لابد من وجود جهة رقابية صارمة تلعب دور المتابعة والاطلاع على سير عمليات التقييم للموظفين بشكل سنوي، وفي جميع الجهات الحكومية، وتضمن تحقيق أعلى نسبة من الشفافية والعدالة لأبناء وبنات الوطن الذين يتم سحق آمالهم وطموحهم ببعض الأخطاء الفردية، والتي بالطبع لا تمثل توجّه الجهات الحكومية أو الدولة والقيادة.