ماجد السحيمي يكتب:

قبل يومَين تقريبًا، اطلعت على تقرير أعدَّه الرحَّالة المتميّز ثواب السبيعي، الذي دائمًا ما يجوب حول الأرض (ما شاء الله عليه)، ويقدّم صورًا مُشرقة لمملكتنا الحبيبة، وشريعتنا السمحة، وعن السفر وجوانبه الرائعة هذه المرة عن رحلته إلى العراق، هذا البلد العظيم، وبالذات حضاريًّا، فكان يرصد العراق طوال تاريخه من خلال ميادينه وساحات التجمّع للمثقفين والكُتّاب والنخب، من ضمن ذلك أحد المقاهي لتلك الفئات، كان اسمه مقهى الأسطورة، والذي تم إنشاؤه قبل أكثر من 70 عامًا.

مع تواتر ذِكره للقصة، كان صاحب المحل الذي اشتراه من صديقه موجودًا في التغطية، لاحظته يلتقط صورًا للمقهى الذي يضم مكتبة وعددًا من الشخصيات الأدبية والثقافية التي زارت المكان عبر تاريخه، وأهمّها صور لأم كلثوم، ثم بدأ يصور جنبات أخرى للمقهى، ويتحدث عن صاحبه الذي يجلس بعيدًا عنه ويقول: حاولت إجراء مقابلة مع صاحب المقهى عن الحقبة التاريخية له، ولكنه حين وصل إلى حقبة الحرب وتوقف المقهى آنذاك لسنوات عديدة يبكي بكاءً شديدًا. هنا توقفت وقلت كيف للذكريات أن تكون بهذا التأثير علينا، كيف تؤثر على تصرّفاتنا وسلوكياتنا تجاهها، خاصة إن كانت الظروف عامة على الجميع، وليست خاصة على فرد معيّن.

أتذكّر قبل عامين، وجدتُ رجلًا مُسِنًّا يساعد زوجته المُسنَّة في صعود الدرج لمدخل أحد المباني المرتفعة، فنظرتُ إليه وابتسمتُ لا إراديًّا، فنظر إليّ وقال: (يا ابني.. إن الحب لا يشيب)، توقفت كثيرًا عند هذا الكلام الذي حين تأملته، لم يكن تعبيرًا عن لحظة معينة، بل عنوانًا لعِشرة طويلة من السنين مرّ فيها ما مرّ من مودة ورحمة واتفاق واختلاف، وتجاوز لعقبات وعثرات ولحظات سعيدة وهنيئة، كان هذا الموقف جزءًا بسيطًا يمثل شعرة من نتاجها.

أذكر مرة قال والدي موقفًا مشابهًا، أخذ والدته (جدتي) للوادي الذي كان يعمل به جدي في منطقة القصيم بمدينة عنيزة، وإذا ببعض الغرف الطينية ما زالت موجودة، اقتربا منها لاستعادة ذكرياتها هناك، إلا أن جدتي رفضت الدخول لها، ولم تستطع أن تقوى على تلك الذكريات، فقالت هذه الذكريات أغلبها مُرة، لكنها ألفين تغلبني!

شخصيًّا لدي اعتقاد يصل لقمة الجزم بأن كل شيء يأتي ويذهب، المال والعمل والمصالح والخدمة، إلا المواقف والذكريات المرتبطة بالمشاعر والإنسانية التي تنسلخ من غطاء المصلحة والفائدة، لا أعتبر ذلك عيبًا فهو حق مشروع للجميع، لكنني أتحدث هنا عما يفوق عنه لا مَن يضاده. في نظري أن الإنسان مواقفه وذكرياته تكون مثل العطر أو البخور حتى لو غادر مكانه تبقى رائحته الجميلة وأثره الطيب موجودًا.

وحتى ألقاكم الأسبوع المقبل «بإذن الله»، أودعكم قائلًا: (النيّات الطيبة لا تخسر أبدًا)، في أمان الله.

@Majid_alsuhaimi