أتذكَّر في التسعينيات الميلادية، بداية انتشار محلات ومقاهي الإنترنت في المملكة ودول العالم، حيث كانت بداية تعرّفنا على الشبكة العنكبوتية، وإنشاء البريد الإلكتروني، والمشاركة في المنتديات، واستخدام برامج الدردشة الفورية للتواصل مع الآخرين.
ومع مرور الوقت، زاد عدد مستخدمي الإنترنت حول العالم بوتيرة متسارعة جدًّا، حتى جاءت ثورة الهواتف الذكية مع بداية الألفية الميلادية، وصار بإمكان الشخص الاتصال بالشبكة وتصفّح المواقع من خلال هاتفه المحمول. ومع تطور الهواتف الذكية، وانتشار منصات وبرامج التواصل الاجتماعي، ترسَّخَ مفهوم العولمة، وصار العالم كقريةٍ صغيرة، يسهل التواصل والتفاعل بين أفرادها، تأثّرًا وتأثيرًا.
بل أصبح بإمكان كل شخص يملك هاتفًا ذكيًّا أن يُوصِلَ رسالته، ويتواصل مع مَن أراد متى ما أراد، وأن يشاهد ما يشاء وقتما شاء، خصوصًا في ظل وجود العديد من منصات تقديم الأفلام والمسلسلات عبر الإنترنت.
وبعد أن كانت محاولات البعض في نشر قِيَمهم مجرد مقالاتٍ تُنشَر أو كتبٍ تُطبَع، ولا يطالعها إلا القليل، أو آراء يتم تداولها في مؤتمراتٍ محدودة التأثير، صار الترويج لها الآن وتداولها في غاية البساطة من خلال تلك المنصات، مع إمكانية وصول الرسالة أو الفكرة إلى الملايين من الناس.
كل هذا جعل الميدان مفتوحًا للتنافس في نشر الأفكار والقيم، والترويج لها، ورسم صور نمطية جديدة عن فئةٍ ما أو مجتمع أو حتى دولة، وتمرير الرسائل والمفاهيم الثقافية، وتقديم أنماط اجتماعية جديدة. وأتذكّر هنا على سبيل المثال تأثير المسلسلات التركية التي تسيَّدَت المشهد قبل عدة سنوات، واستطاعت رسم صورة رائعة عن المجتمع التركي ورومانسيته الطاغية، وروّجت للسياحة هناك بشكلٍ غير مسبوق.
ومؤخرًا، بدأنا نلاحظ المحاولات المستميتة، من خلال تلك المنصات، لترويج الشذوذ وجعله أمرًا طبيعيًا، بشتّى الوسائل، والدفع في اتجاه قبوله اجتماعيًّا والسماح به رسميًّا، كما حدث في كثير من الدول الأوروبية والولايات المتحدة.
بل وصل الحال بمَن يقف خلف تلك الأجندات، ويدعم توجّهاتها، إلى فرض أفكارهم على الأطفال من خلال المناهج الدراسية والقصص والأفلام، وفرض القوانين على المنظمات الرياضية لقبول المتحولين جنسيًا في المسابقات الرياضية، وتجريم محاولات الوقوف في وجه تلك الممارسات، وتوضيح خطرها على المجتمعات. وكم قرأنا أو سمعنا عن عددٍ ممن أعلنوا موقفهم الرافض للشذوذ بكل صوره، قد تمت محاربتهم، والتضييق عليهم، وربما إيقافهم، وكأن جريمتهم «إنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطهَّرُون»، وما أشبه الليلة بالبارحة!
إن العالم اليوم -لا سيما الغرب- يعيش حالة من الهشاشة القِيَميَّة والأخلاقية، تحت ضغط بعض الجهات والتيارات التي تريد فرض أجندتها على الآخرين. وهنا تتجلّى أهميَّةُ استغلالِ تلك المنصات وملء الفراغ، بتقديم القِيَم الرفيعة والنماذج الراقية والصور المشرقة التي تمثلها مجتمعاتنا الأصيلة، ويحث عليها ديننا الحنيف.
إن العالم متعطّشٌ لما بين أيدينا، والفرصة مواتية، وصار من السهل أن تصبح «ترندًا» عالميًّا، وتصل رسالتك للملايين من الناس في غضونِ ساعاتٍ فقط.
@MetebQ