في مشهد بـ«طاش العودة» قدم رجل أعمال، شخصية رئيسة في المشهد، وطبقًا لما يود المخرج، قال الثري إنه شديد الامتنان للرجل الذي أرغمه على التخلي عن فكرة الوظيفة، واضطره للاتجاه للأعمال الخاصة. وبعد عناء أصبح ناجحًا وثريًا، ولو أنه توظف، لكان لا يزال موظفًا بئيسًا وفقيرًا، أيضًا طبقًا لما يريده المخرج.
يصدر المشهد للمجتمع، انسجامًا وفاقًا مع «هستيريا» موضة الدعاية المجنونة للأعمال، التي تتلبس الإعلام وشبكات التواصل، وتوصي كل أحد، بمناسبة وبلا مناسبة، أن «يهرب» وينبذ وظيفته، ويبدأ عمله الخاص.
وتجرى مقابلات مع «رواد» الأعمال، حتى وإن كان «الرائد» قد امتلك مقهى صغيرًا أو عربة مأكولات وتثقل الديون كاهله، لكنه يقدم على أنه النجاح الباهر والمستقبل. وفي نفس الوقت يجري تعمد الحط من الوظيفة بأسلوب جاهل وفوضوي، ولعنها وتصويرها على أنها موبقة الحياة وأرذل مصير.
وانتشر «رواد الأعمال» من هذا الصنف، في التليفزيونات وشبكات التواصل الاجتماعي، يوبخون موظفي الحكومة والشركات ويزينون لهم التخلي عن وظائفهم، واقتحام المغامرات والمجهول والتكوم بين أنياب وحش السوق تمهيدًا لمسرح الجريمة الكبرى، فالمبشرون بجنة الأعمال يغررون بالناس ويخدعونهم ولا يقدمون نصائح عن المخاطر، وعقبى تراكم القروض، ولم يقولوا لهم إن عشرات الآلاف قد فشلوا في المشروعات الخاصة، وتكبدوا ديونًا أوصلت بعضهم إلى الجنون ونجوم الظهر وظلمات السجون.
والعجيب أنه لو استجاب الموظفون للهستيريا، فلن نجد موظفين في الحكومة ولا في الشركات. بل حتى رواد الأعمال الناجحين لن يجدوا موظفين ينجزون أعمالهم لينجحوا، وسوف تمتلئ الشوارع بالعاطلين الذين تلاحقهم البنوك والدائنون.
والحق ليس على هؤلاء المغامرين الذين يودون تقديم أنفسهم نماذج ناجحة، بل الحق كل الحق على القنوات التليفزيونية والإذاعية التي تقدمهم للجماهير ليناغموا عواطف السذج المراهقين، ويقولوا لهم إن بينهم وبين الثراء خطوة واحدة، هي هجر الوظيفة. ثم يتركونهم نهبًا للمخاطر ووحوش السوق وبئس المصير.
• وتر
الأرض اليباب.. مسارح الحروب.. والكره..
وحقول النار.. دموع ثكالى ومآتم.. ومزادات الدم..
@malanzi3