@LamaAlghalayiniلمى الغلاييني

نحن في الواقع مهووسون بالحب، ولكن ما الذي نعرفه حقًّا عن الحب؟، فالحب يجعل نفوسنا هشَّة وضعيفة، لكننا مع ذلك ندرك في الأعماق أنه لا شيء يمنحنا القوة والأمان أكثر من وجود شخص يحبنا بعمق، وأننا في أصعب لحظات حياتنا لن تواسينا كلمات كتلك التي تصدر ممن نحبهم، وما زلنا بالرغم من تنامي ذكائنا البشري لدرجة انشطار الذرة والتحليق في الفضاء، لم نصل لفهم واضح ومتكامل لتلك الرابطة التي تعتبر محور علاقاتنا كبشر، واستمرت الفكرة السائدة بغموض الحب واعتباره كالألغاز، وبدأنا نفقد الثقة بالشراكات القائمة على الحب وقدرتها على الاستمرار والثبات لفترات طويلة، جراء ما نراه ونسمعه يوميًّا من نهايات لقصص كانت تبدو رائعة ومثالية، وما زلنا تائهين في زحمة النظريات، حينما يتعلق الأمر بالحب الناضج الواعي والملتزم، رغم احتياجنا للعلاقات الصادقة الراشدة؛ كونها حبل النجاة المتين الذي يعوَّل عليه في عالم تملؤه مشاعر القلق والوحدة والاكتئاب وزيادة المناداة بشعارات حب الذات والاكتفاء الذاتي، فعلاقات الحب الناجحة هي السر الذي يمكّن العائلات من بناء أسر محبة، ومجتمع متحضّر تسوده الثقة، والتعاون، والتكافل الاجتماعي، وعلاقة الحب الناجحة هي أفضل ضمان صحي للفرد، وأقوى ترياق للشيخوخة، كما أثبت علم الأعصاب أن قوة الحاجة إلى الحب والتواصل العاطفي البشري أقوى من الخوف، والذي يعتبر آلية البقاء الأساسية لدى بني البشر، فالحب هو ذلك الشريان الذي يمدنا بالحياة، ونقطة الانطلاق الصحيحة لخروجنا من قواقعنا، واستكشاف المجهول، ولذلك يهمنا أن نعلم أنه عملية مستمرة من فهم الإشارات وضبط الإيقاع بين الشريكين، فهو رقصة اللقاء والفراق والعثور على بعضنا مجددًا كل يوم.

ولهذا يخطئ معالجو العلاقات أحيانًا بالتركيز على أحد الشريكين، فهذا لا يعطي صورة كاملة؛ لأن الأشخاص في علاقات الحب وفي جميع العلاقات، ليسوا كيانات منفردة تعمل بشكل مستقل، بل هم في الواقع ثنائيات ديناميكية، يتحرك واحدها بتحرك الآخر، ولا بد من مشاهدة الرقصة الثنائية التي يؤديها الشخصان معًا، ولن يفيدنا بشيء دراسة حركة أحدهما منفردًا، وبالرغم من وقوع جميع أنواع العلاقات تحت وطأة صراع في مرحلة ما، حيث تبدأ الرابطة بين الشريكين في دخول حالة من الضعف والتهتك، إلا أن قدرة بعضهم تبدو مبهرة في استعادتهم لتوهّج العلاقة بفضل نضال الشريكين، وسعيهما بكل إيجابية وإصرار في سبيل إنقاذ العلاقة وإشعال جذوتها المنطفئة، فعلاقة الحب ليست ثابتة أبدًا، إنها كالمد والجزر وإذا أردنا أن يستمر الحب فعلينا أن ندرك هذه الحقيقة ونعوِّد أنفسنا على الاهتمام بالطرف الآخر، وإعادة ضبط مستوى المشاركة العاطفية باستمرار، فاستقرار العلاقات لا يعتمد على التئام الخلافات الكبيرة، ولكن على متابعة إصلاح التمزقات الصغيرة المستمرة، وإنشاء روابط دائمة توفر الملاذ الآمن لكلا الشريكين.