مي العتيبي@maiashaq

تتردد على مسامعنا مؤخرًا أوصاف نفسية تفضي في مجملها إلى مفهوم «الاكتئاب»؛ ولكن هل نستطيع الجزم تمامًا بأن كل مَن لديه هذه الأعراض هو حقًّا مكتئب؟

يغيب عن ذهن البعض أن طبيعة الإنسان الفطرية هي التغيّر وتبدّل الأفكار والأحوال، فمثلًا مَن كان في مراهقته يحب الصخب، ويبحث عنه لا يمكن أن يستمر على ذات المنوال عند تجاوز الثلاثين مثلًا، أو حتى الأربعين؛ وهذه تغيّرات طبيعية جدًّا ومنطقية ولا تدعو للقلق أو التعجب.. ذلك لو تجاوزنا الاختلافات النفسية والمزاجية والقدرات التواصليّة من شخص لآخر؛ حيث توجد شخصيات في أصلها انطوائية أو يصعب لديها الاندماج بشكل كبير مع أي جديد.

حيث يعمد البعض إلى تفسير بعض العادات الطبيعية تفسيرات غير حقيقية ومخيفة في بعض الأحيان، كمن يشير إلى أن الرغبة في البحث عن الهدوء أو السلام بمنظور الفرد هي مجرد عرض اكتئابي يستوجب التدخل.. أو أن الرغبة بعدم القيام بالأنشطة الاجتماعية والتي في غالبيتها هي مجرد مجاملات وزيف - مع الأسف - هي حالة نفسية تستدعي العلاج!

في الحقيقة ومن واقع تجربة شخصية.. أن الإنسان طبيب نفسه، وهو أعلم بتقلباته المزاجية وتطوراته النفسية، فلا يصح الجزم بوقوعه في الاكتئاب إلا عندما تبدأ هذه التقلبات بالتأثير السلبي الفعلي على حياته اليومية وواجباته كالعمل ونشاطه المنزلي وعلاقاته بالأشخاص المحيطين به من عائلة وأصدقاء، كما أن الظروف السيئة الطارئة يمكن أن تُحدث اهتزازًا لدى الإنسان وتجعله يُعيد النظر في أمور كثيرة قد يجد أنها في الأخير ليست مدعاة لسعادته فيتوقف عنها أو يخفف منها، وكل هذا يحدث بشكل طبيعي في ظل نمو الإنسان وتغيّره.

وعلى ضوء ذلك، ليس كل مَن توقف عن كثرة النزهات أو تحاشى التجمعات الاجتماعية أو توقف عن سلوك اجتماعي معيَّن هو مكتئب؛ طالما يقوم بذلك وهو مستمتع ليشعر بالهدوء وليس كحالة مرضيّة مؤثرة فعلًا على روتينه اليومي وواجباته، فالقلق من الوقوع في الاكتئاب أصبح بحد ذاته مشكلة لدى الإنسان الذي تم التلاعب بإدراكه ووعيه ليشعر بأن عليه القيام بما يحدده الآخرون ليثبت لنفسه أنه ليس مكتئبًا!

وفي الواقع على الإنسان محاربة كل ذلك بالوعي والفهم والتأمل في ذاته، حيث يمكنه فهم ما يريد هو لا ما يريده منه العقل الجمعي، خاصة فيما يتعلق بحالته النفسية المنفردة، وعليه العمل بما تُمليه عليه رغبته؛ ليكون في حالة سعادة أو سلام داخلي، كالبقاء وحيدًا في منزله أو في مكان يحبه، وقراءة كتاب ممتع أو متابعة برامج تعجبه أو ممارسة أي هواية تشعره بالسرور دون الشعور بأن لحظاته تلك مدعاة للقلق من وقوعه في الاكتئاب.