د. شلاش الضبعان يكتب:

البعض يؤذي من حوله بالتدقيق ويظن أن ذلك ذكاء وفطنة.

إن كان أباً يذكرني بقصة الموظف الذي تقاعد ودخل البيت ولم يجد شيئاً يستحق النقد، فقال لزوجته: «أين الغبار الذي كان فوق الطاولة؟ قالت: ليش تِسأل؟ قال: كنت كاتب عليه رقم جوال».

وإن كان مديراً يشغل العاملين بتتبع الصغائر ومحاولة إثبات الوجود وأنه لا يمكن أن يُلعب عليه وكاشف كل شيء.

أعان الله القريبين من هؤلاء وأعانهم الله على أنفسهم، فحياتهم وصحتهم تضيع في أمور لا تستحق، وقد قال الحسن البصري: ما زال التغافل من فعل الكرام، وقال الإمام أحمد بن حنبل: تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل، وقيل: أدب التغافل هو أدب السادة، أما السوقة فلدنو همتهم يحصون الصغيرة، ويجعلون من الحبة قبة، ومن القبة مزاراً، وقد قال الشاعر:

ليس الغبي بسيد في قومه

لكن سيد قومه المتغابيللمدققين أسوق قصة ذكرها المحسن التنوخي في نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة تقول: إن ناصر الدولة استدعى بشيء يأكله متعجّلا، ليتعلّل به، فجاؤوه بدجاجة مشويّة، ورغيف واحد، وسكرجتي ملح وخلّ، وقليل بقل، فجعل يأكل، إذ دخل عليه الحاجب فأخبره بحضور قوم لا بدّ من وصولهم، يحتشمهم، فأمر برفع الدجاجة، فرفعت، ومسح يده، ودخل القوم، فخاطبهم بما أراد، وانصرفوا، فقال: ردّوا الطبق، فأحضر، فتأمّل الدجاجة ساعة، ثم حرد، وقال: أين تلك الدجاجة؟، فقالوا: هي هذه.

فقال: لا، وحقّ أبي، عليّ بالطبّاخ، فحضر، فقال: هذه هي تلك الدجاجة؟ فسكت.

فقال: اصدقني ويلك، قال: لا. قال: فما عملت بتلك؟ قال: لمّا شيلت، لم نعلم أنّها تردّ إليك، فأخذها بعض الغلمان الصغار وأكلوها، فلما طلبتها، أخذنا هذه فكسرنا منها، وشعّثنا، مثلما كنت كسرت من تلك وشعّثت، طمعا في أنّك لا تعلم بذلك، وقدّمناها.

فقال له: يا حمار، تلك كنت قد كسرت منها الفخذ الأيمن، وأكلت جانب الصدر الأيسر، وهذه مأكولة جانب الصدر الأيمن، مكسورة الفخذ الأيسر، لا تعاود بعدها لمثل هذا.

بقي أن تعلم أن ناصر الدولة هذا الذي أسس الدولة الحمدانية في الموصل قبض عليه أولاده في آخر حياته لسوء أخلاقه وحبسوه في قلعة أردمشت حتى مات.

رسالة لكل مزعج بالتدقيق، احذر.

@shlash2020