خلق الإنسان بقدرات مهولة تكشفها قوة إرادته وتبرزها حاجته، لم يتغير التكوين الفيزيولوجي للإنسان ولكن قدرته على التجاوب مع البيئة وابتكار الحلول وتطويرها هي التي غيرت حياته. ولذلك نرى الاختلافات بين البشر وقدراتهم بما تحتمه عليهم بيئتهم الاجتماعية والثقافية والطبيعية. يختلف عصرنا وهو ما يسميه العلماء عصر الصورة عن ذلك العصر الذي كنا فيه نعتمد على السمع، فالصورة نراها جاهزة أمامنا وتوصل الفكرة والمعنى مباشرة أما في عصر ما قبل الصورة عندما كنا نسمع كانت قدراتنا مختلفة.
عرف العرب بفصاحتهم وبلاغتهم وقوة حفظهم المتفاوتة، كانت الأخبار تنتقل عن طريق نقل الكلام وتدعمها قوة الحفظ، ففنهم البلاغة والقوة في اختيار الألفاظ ورصها في كيان قوي تطرب له الأذن ويتفنن عقل كل مستمع برسم الصور في خياله. يذكر التاريخ قصة جميلة بين الخليفة العباسي المنصور وبين الشاعر الأصمعي وقصيدته الشهيرة صوت صفير البلبل.
يحكى أن الخليفة العباسي المنصور كان حريصا على أموال الدولة وكان من عادة الخلفاء أن يعطوا الهدايا للشعراء ويغدقوا عليهم بالأموال، فلجأ أبو جعفر إلى حيلة حتى لا يعطى للشعراء الأموال، فأصدر بيانا بأن من يأتي بقصيدة من بنات أفكاره أخذ وزن ما كتب عليها ذهبا، فتسارع الشعراء إلى قصر الخليفة ليسردوا شعرهم وهنا كانت المفاجأة، فعند انتهاء كل شاعر من قول قصيدته التي هي من تأليفه يقول له الخليفة هذه القصيدة ليست من بنات أفكارك لقد سمعتها من قبل ويعيدها عليه فيندهش الشاعر ثم ينادي الخليفة على أحد غلمانه فيقول له هل تعرف قصيدة كذا وكذا فيقول نعم فيعيدها عليهم الغلام ثم ينادي الخليفة لجارية عنده هل تعرفين قصيدة كذا وكذا فتقول نعم وتسردها عليهم فيقف الشاعر مذهولا فهو من سهر طوال الليل يؤلف القصيدة ثم يأتي الصباح ليجد ثلاثة يحفظونها! فماذا كانت الحيلة؟
كانت الحيلة تكمن في قدرة الخليفة القوية على الحفظ حيث كان يحفظ الكلام عند سماعه مرة واحدة وكان عنده غلام يحفظ من مرتين وجارية تحفظه من ثلاث فإذا قال الشاعر قصيدته حفظها الخليفة فأعاد سردها ويكون الغلام خلف ستار قد سمع القصيدة مرتين فيحفظها وهكذا كانت الجارية تقف خلف ستار تسمع القصيدة من الشاعر ثم الخليفة ثم الغلام فتحفظها فاجتمع الشعراء في منتداهم مغمومين لما يحدث فقصائدهم التي هي من تأليفهم يحفظها الخليفة والغلام والجارية، فمر عليهم الشاعر وعالم اللغة الأصمعي فرأى حالهم وسمع قصتهم فعلم أن في الأمر حيلة وعزم على أن يفعل شيئا.
فذهب في اليوم التالي إلى قصر الخليفة واستأذن ليدخل فدخل وقال للخليفة لقد سمعت أنك تعطي على الشعر وزن ما كتبت عليه ذهبا فقال له الخليفة هات ما عندك، فسرد عليه الأصمعي قصيدته الشهيرة والغريبة..... صوت صفير البلبل... وعندما انتهى من سردها تعجب الخليفة من غرابتها ولم يستطع حفظها وبالتالي لم يستطع الغلام حفظها ولا الجارية، فأمر بإعطائه المكافأة إلا أن الأصمعي كان قد كتبها على لوح من الرخام لا يحمله إلا أربعة من الجنود فأخذ بوزنه كل مال الخزينة، وعندما أراد الأصمعي المغادرة قال الوزير: أوقفه يا أمير المؤمنين والله ما هو إلا الأصمعي. فقال الخليفة: أزل اللثام عن وجهك يا أعرابي، فأزال اللثام فإذا هو الأصمعي، فقال: أتفعل هذا معي، أعد المال إلى الخزنة. فقال الأصمعي: لا أعيده إلا بشرط أن ترجع للشعراء مكافآتهم فقال الخليفة: نعم فأعاد الأصمعي الأموال وأعاد الخليفة المكافآت... هذا عندما كنا نسمع....
إنستجرام: Dr_fatima_Alreda