د. شلاش الضبعان

@shlash2020

ذكر ابن حمدون في التذكرة الحمدونية قصة عجيبة في الابتلاء والصبر، فقال: خرج عروة بن الزبير إلى الوليد بن عبد الملك (الخليفة الأموي) فوطئ عظما فلم يبلغ دمشق حتى ذهب به كل مذهب، فجمع الوليد الأطباء فأجمع رأيهم على قطعها، فقالوا له: اشرب مرقدا، فقال: ما أحب أن أغفل عن ذكر الله تعالى، فأحمي له منشار، وكان قطعا وحسما، فما توجع وقال: ضعوها بين يدي، لئن كنت ابتليت في عضو لقد عوفيت في أعضاء، فبينما هو على ذلك أتاه نعي ابنه محمد، وكان قد اطلع من سطح على دواب الوليد فسقط بينها فخبطته، فقال عروة: الحمد لله لئن أخذت واحدا لقد أبقيت جماعة. ولما عاد من سفره أتاه المعزون وفيهم عيسى بن طلحة فقال: يا أبا عبد الله ما كنا نعدك للسباق، وما فقدنا منك إلا أيسر ما فيك، إذ أبقى الله لنا سمعك وبصرك وعقلك.

وسمع حكيم رجلا يقول لآخر: لا أراك الله مكروها، فقال: كأنك دعوت عليه بالموت، فإن صاحب الدنيا لا بد أن يرى مكروها.

في الرخاء الكل عظيم ومميز ولكن عند الشدائد يتبين العظماء ويتقدمون، فقد أدركوا حقيقة الحياة، وعلموا أن الحزن والنياحة والتسخط لا ترد فقيدا ولا تنهي مصيبة، وأنهم قدوات يقتدى بهم فقدموا نماذج جميلة في الصبر ورباطة الجأش، وكما قال المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو خير البشر إمام الصابرين مع ما تعرض له في حياته من مصائب لا يصبر عليها إلا أولو العزم.

أتبع صاحب التذكرة الحمدونية قصة عروة بقصة أخرى: قدم على الوليد وفد من عبس فيهم شيخ ضرير، فسأله عن حاله وذهاب عينيه فقال: بت ليلة في بطن واد ولا أعلم عبسيا يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيل فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد غير صبي صغير وبعير، وكان البعير صعبا، فند فوضعت الصبي عن منكبي وتبعت البعير، فلم أجاوز حتى سمعت صيحة الصبي، فرجعت إليه وإذا رأس الذئب في بطن الصبي يأكله، فاستدرت بالبعير لأحبسه فنفحني برجله فحطم وجهي فذهبت عيناي، فأصبحت لا عين ولا أهل ولا مال ولا ولد. فقال الوليد: اذهبوا به إلى عروة ليعلم أن في الدنيا من هو أعظم مصيبة منه، ويتسلى.