أ.د. هاني القحطاني

تعاني مدن العالم اليوم من مشاكل عدة. التكدس السكاني والمروري، التلوث البيئي والبصري بكل أبعاده، مدى توافر الخدمات الاجتماعية وسهولة الوصول إليها، الإحساس بفقدان الهوية والانتماء في البيئة الحضرية، كل ذلك غيض من فيض مما تعانيه مدن العالم، كل بقدره. في هذا السياق، ومن حمأة لهيب الصحراء العربية وجزيرتها شع نور جديد يبشر برؤية جديدة من المدن، مدينة ولا كل المدن.

ذا لاين مدينة المستقبل تأتي تلبية لرؤية 2030 الطموحة لخلق واقع اقتصادي جديد يصاحبه مجتمع جديد لخلق نمط جديد من المستوطنات الحضرية. ذا لاين وكما يستدل من اسمها (وهي تعني الخط) مدينة بطول يناهز 175 كلم، بعرض مائتي متر وبارتفاع يناهز الأربعمائة متر. أفقيا المدينة (الخط) مقسمة إلى عدد كبير من الوحدات (بلوكات) متكاملة المنافع والخدمات، تذكر بمشروع البلوك السكني للمعماري السويسري الفرنسي ليكوربوزييه. عموديا المدينة مقسمة إلى طبقات في جوف الأرض وفوقها، بدءا من خدمات النقل السريع جدا، تعلوها مسارات العربات، فمسارات المشاة، ويعلو كل ذلك فراغات المدينة السكنية والاجتماعية والترفيهية. هذا التجمع البشري يدار بطريقة تخلو من الانبعاثات الغازية، وللذكاء الاصطناعي دور مهم في إدارة مرافق المدينة لخلق بيئة خضراء مستدامة، ضمن هذا الخط المغلف بمراية عملاقة تتماهى مع محيطها الصحراوي. هذا مجرد وصف مبدئي للمدينة وهي غنية بتفاصيل لا يمكن الإحاطة بها في هذه العجالة.

وعلى أية حال، فإن بناء مدن مستقبلية ليس بالأمر الجديد. فقد شهد القرن العشرون محاولات عدة لبناء مدن جديدة بالكامل. ولعل مخطط ليكوربوزييه للمدينة الجديدة في جنوب فرنسا أو للعاصمة الجزائرية، أو مخطط أوسكار نيمير للعاصمة السياسية للبرازيل برازيليا، أو مخطط المعماريين الأمريكيين مايكل جريفز وبيتر إيسنمان في ولاية نيو جرسي الأمريكية أهم هذه المحاولات. غير أن ذا لاين تختلف عن هذه النماذج في عدة أوجه. فالمدينة ذات سقف عالٍ في رؤيتها وطموحاتها، وفي مصادر استلهامها، وفي الأهداف التي ترمي إلى تحقيقها. إنها تبشر بنمط جديد من العيش ضمن شكل محدد من البناء والعمران غير مسبوق من قبل.

كما تستمد ذا لاين جزءا كبيرا من طموحاتها ومن أسباب بنائها من موقعها. تقع المدينة في شمال غرب المملكة مما يجعلها على مفترق طرق بين قارات ثلاث لتكون بوتقة اجتماعية واقتصادية وسياسية أيضا، حيث يفد إليها الناس من كل القارات لتبادل المنافع الاقتصادية والتجارية مع كل ما يصاحب ذلك من تفاعل اجتماعي متعدد الأوجه. هذا التجمع الجديد لأناس من قارات مختلفة بخلفيات ثقافية واجتماعية واقتصادية مختلفة سوف يثري النسيج الاجتماعي للمدينة، ويسهم في تعزيز دور المملكة السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين دول العالم.

وكما هو معروف سلفا، فبقدر ما تكون الطموحات بقدر ما تكون التحديات. ومن المعروف أيضا أن شكل المنتج النهائي لأي مدينة ولأي بناء مرتبط بآليات بنائه وتطوره وسير العمل فيه أثناء مراحل إنشائه. وهنا تفصح الحلول عن نفسها خطوة بخطوة لما قد يعترضها. وتبقى مفردات العمارة التقليدية والنسيج التقلديدي الحضري لمختلف مناطق المملكة معينا لا ينضب لأشكال هذه التجمعات السكنية حال انتهائها. لنتخيل فقط «البرحة التقليدية» بحلة جديدة كنقاط تجمع رئيسية لسكان المدينة في تكرار شبكي، ولنتخيل الأسطح المجردة بألوان الرمال العربية في كل مناطق المملكة، وهي تشكل مساحات للوحات فنية داخل نسيج المدينة. ولنتخيل أيضا أبراجا سكنية تستلهم مثيلاتها في كل من المنطقة الغربية برواشينها ومشربياتها، أو تلك الحصون الطينية والحجرية المطهمة بالمرو في أعالي جبال السروات. فقط لنتخيل هذه المفردات المعمارية وقد شكلت الذائقة البصرية والجمالية لمدينة المستقبل تلك. هكذا يكون الطموح كبيرا بكبر الأحلام ذاتها.

Hanih@iau.edu.sa