للمكان قوة تؤثر على ساكنيه وتشكلهم، تدركها بالنظر إليهم، بماذا تشتغل أجسامهم؟ وماذا تبتكر عقولهم؟ كيف حسنوا من حياتهم ليتلاءموا مع البيئة المكانية من حولهم. الإنسان وليد بيئته يقول ابن خلدون وهو أول نظم في علم الاجتماع «اعلم أن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نخلهم من المعاش». ليست البيئة والسكان مقومات منفصلة عن بعضها، إنهما يشكلان معا وحدة عضوية متراصة في كتلة التجمع الإنساني، فالعلاقة بين السكان والبيئة ليست مجرد علاقة تلاؤم وانسجام، بل هي أيضا علاقة فعل وانفعال وخلق واكتشاف واهتراع وهيمنة واستغلال وإفساد وإصلاح.
في شبه الجزيرة العربية الصحراوية أخذ سكان من قسوتها وجفافها وقوتها، فلا يوجد فيها غير الأفقية ومنحنيات الكثبان الرملية التي تتشكل مع خطوط الرمال بحسب توجهات الرياح الحارة فلا معالم ترشد لأي مكان، ففي الصحراء صمت وجفاف فراغي لا يعبر ولذلك رفع سكانها أعينهم إلى السماء فتعلموا قراءتها وجعلوا نجومها معالم ودرسوها وبرعوا في قراءتها. يقطع سكان الصحراء المسافات الطويلة في تلك الأراضي الذهبية الصامتة فتربوا على الصبر والعزيمة.
ففي الصحراء لا توجد مناظر ترسم فالمنظر يتكرر يمينا وشمالا يمتد إلى ما لا نهاية، ولكن نجد ساكنيها قد رسموا صورا مختلفة... رسموا أجمل الصور الشعرية وتفننوا في استخدام اللغة التي انتقلت معهم بالخفة التي يتطلبها ترحالهم وتنقلهم في الصحراء، فعاشت أشعارهم إلى يومنا هذا نسمعها ونتغنى بها وندرسها ونتعلم منها. يذكر عن الجاحظ أنه قال «إنما الشعر صناعة وضرب من النسج (صبغ) وجنس من التصوير»، ويذكر أيضا في وصف شعر ابن الرومي انه ينظر إلى الأشياء بعين مصور صناع لا يفوته لون من الألوان......، فهو فنان لا تنقصه إلا الريشة واللوحة، بل لا تنقصه هاتان، ولأنه استعاض عن الريشة بالقلم، وعن اللوحة بالقرطاس، فاكتفى بهما، وأثبت في النظم البديع ما لا تثبته الألوان.
هكذا شكلت البيئة ساكنيها ودفعتهم إلى الإبداع فهم في تفاعل معها وفي تطوير دائم ليستفيدوا من بيئتهم وليحسنوا من معيشتهم، فهي تلونهم بلونها وتنحتهم بصفاتها. هكذا شكلت البيئة ساكنيها ببساطة خيامهم المتنقلة التي لم تكن تقيهم حر الصحراء وقسوتها. اليوم ومع التطور الذي نعيشه نلتمس هذا التأثير بين البيئة والسكان في أبسط الأمور، فبرغم العمران والتمدن الذي أبعدنا عن ذلك المناخ الصحراوي إلا أنها ما زالت ترسم خطوطها على سكانها، في إنتاجهم وفي صفاتهم وطباعهم. فكيف سيكون هذا التفاعل مع حلول مستقبلية بتقنيات أعلى؟
هنا تبدأ العمارة فعلا في تشكيل شخصية ساكنيها بطرق مختلفة.... لا العكس. إن مثل هذه الحلول المتطورة والتي تتفاعل مع البيئة الصحراوية القوية نراها في تصميم ذا لاين وأكسجين في نيوم، ونرى فيها تحديات من مستوى آخر.... ففيها تبنى المشاريع بتقنيات تتلاءم مع هذه البيئة الصحراوية وتعيد تشكيل سكانها وتبعدهم عنها... فلابد للخيال أن يرتفع ويعلو إلى أعلى القمم ليغير الواقع، ليبني بيئة معمارية تختصر الوقت في التنقل وتختصر الوقت للعمل وتنتج تجربة حياتية مختلفة، وكأن سكانها يعيشون في عالم زمني آخر مختلف عنا، عالم يختصرون فيه أوقاتا كثيرة بالمقارنة معنا... بيئة معمارية تشكل أفرادا ومجتمعات لديها جدول زمني مختلف عنا وتقنيات مختلفة، إمكانيات إنتاج واتصال مختلفة عنا.... هنا تفاعل مختلف لقوة المكان وعلاقته بالسكان.
إنستجرام: Dr_fatima_Alreda
في شبه الجزيرة العربية الصحراوية أخذ سكان من قسوتها وجفافها وقوتها، فلا يوجد فيها غير الأفقية ومنحنيات الكثبان الرملية التي تتشكل مع خطوط الرمال بحسب توجهات الرياح الحارة فلا معالم ترشد لأي مكان، ففي الصحراء صمت وجفاف فراغي لا يعبر ولذلك رفع سكانها أعينهم إلى السماء فتعلموا قراءتها وجعلوا نجومها معالم ودرسوها وبرعوا في قراءتها. يقطع سكان الصحراء المسافات الطويلة في تلك الأراضي الذهبية الصامتة فتربوا على الصبر والعزيمة.
ففي الصحراء لا توجد مناظر ترسم فالمنظر يتكرر يمينا وشمالا يمتد إلى ما لا نهاية، ولكن نجد ساكنيها قد رسموا صورا مختلفة... رسموا أجمل الصور الشعرية وتفننوا في استخدام اللغة التي انتقلت معهم بالخفة التي يتطلبها ترحالهم وتنقلهم في الصحراء، فعاشت أشعارهم إلى يومنا هذا نسمعها ونتغنى بها وندرسها ونتعلم منها. يذكر عن الجاحظ أنه قال «إنما الشعر صناعة وضرب من النسج (صبغ) وجنس من التصوير»، ويذكر أيضا في وصف شعر ابن الرومي انه ينظر إلى الأشياء بعين مصور صناع لا يفوته لون من الألوان......، فهو فنان لا تنقصه إلا الريشة واللوحة، بل لا تنقصه هاتان، ولأنه استعاض عن الريشة بالقلم، وعن اللوحة بالقرطاس، فاكتفى بهما، وأثبت في النظم البديع ما لا تثبته الألوان.
هكذا شكلت البيئة ساكنيها ودفعتهم إلى الإبداع فهم في تفاعل معها وفي تطوير دائم ليستفيدوا من بيئتهم وليحسنوا من معيشتهم، فهي تلونهم بلونها وتنحتهم بصفاتها. هكذا شكلت البيئة ساكنيها ببساطة خيامهم المتنقلة التي لم تكن تقيهم حر الصحراء وقسوتها. اليوم ومع التطور الذي نعيشه نلتمس هذا التأثير بين البيئة والسكان في أبسط الأمور، فبرغم العمران والتمدن الذي أبعدنا عن ذلك المناخ الصحراوي إلا أنها ما زالت ترسم خطوطها على سكانها، في إنتاجهم وفي صفاتهم وطباعهم. فكيف سيكون هذا التفاعل مع حلول مستقبلية بتقنيات أعلى؟
هنا تبدأ العمارة فعلا في تشكيل شخصية ساكنيها بطرق مختلفة.... لا العكس. إن مثل هذه الحلول المتطورة والتي تتفاعل مع البيئة الصحراوية القوية نراها في تصميم ذا لاين وأكسجين في نيوم، ونرى فيها تحديات من مستوى آخر.... ففيها تبنى المشاريع بتقنيات تتلاءم مع هذه البيئة الصحراوية وتعيد تشكيل سكانها وتبعدهم عنها... فلابد للخيال أن يرتفع ويعلو إلى أعلى القمم ليغير الواقع، ليبني بيئة معمارية تختصر الوقت في التنقل وتختصر الوقت للعمل وتنتج تجربة حياتية مختلفة، وكأن سكانها يعيشون في عالم زمني آخر مختلف عنا، عالم يختصرون فيه أوقاتا كثيرة بالمقارنة معنا... بيئة معمارية تشكل أفرادا ومجتمعات لديها جدول زمني مختلف عنا وتقنيات مختلفة، إمكانيات إنتاج واتصال مختلفة عنا.... هنا تفاعل مختلف لقوة المكان وعلاقته بالسكان.
إنستجرام: Dr_fatima_Alreda