سعود القصيبي

تحدثنا في مقال آخر بعد استلام الرئيس الأمريكي بايدن مقاليد الحكم في الولايات المتحدة أسميناه «بايدن يتخلى عن النفط» وتنبأنا بارتفاع أسعاره برغم الرأي المخالف السائد حينه. كذلك تحدثنا عن التضخم العالمي القادم في مقالات أخرى وتأثيراته غير المرحلية والمؤقتة وهما أمور حصلت. إلا أن سياسات الرئيس بايدن الخضراء المعادية للنفط والغاز ما زالت تلقي بثقلها على العالم. فأثناء حملته الانتخابية، أطلق الرئيس بايدن الوعود للتخلي على كامل استخدام النفط والغاز مقابل الطاقة النظيفة. وعندما سئل حينها عن آلاف الوظائف بالقطاع، التي ستفقد أعمالها وتلك الاستثمارات الضخمة ذكر على أن عليهم إيجاد وظائف جديدة والاستثمار في الطاقة البديلة. تلك النظرة القصيرة كانت شرارة الأساس تحولت معها الولايات المتحدة حين وصل للرئاسة من دولة مصدرة للنفط إلى دولة مستوردة.

لم يكن التخلي عن النفط والغاز مجرد إرهاصات سياسية من قبل الرئيس بايدن، فقد ملأ إدارته باليسار المتطرف للحزب الديمقراطي الداعي إلى تغيير جذري في أسلوب ونمط الحياة الأمريكية. وقد سارع إثر وصوله البيت الأبيض إلى وضع اشتراطات وضوابط إدارية لوقف استخراج النفط والغاز وتوصيله، لا سيما من جعل الاستثمار الجديد فيه ليس ذا جدوى. لازم ذلك تشريعات من الكونغرس الأمريكي بأغلبية الحزب الديمقراطي بضخ أموال غير مسبوقة للعاطلين عن العمل وأخرى عامة أدت إلى ارتفاع الأسعار ونقص إضافي بالعمالة بسبب تقارب المبالغ المصروفة مع الأجور. ناهيك عن الخلل الذي حصل في الدورة الإنتاجية للمواد والسلع بأسباب الإغلاق للوقاية من الكورونا، وكل تلك الأسباب مجتمعة أدت إلى تضخم في الأسعار.

ومما زاد من الطين بلة وفاقم من شح المواد رغبة الحزب الديمقراطي على إبقاء فترة الحظر أطول مدة ممكنة وإلى حتى انتهاء فترة الانتخابات وحتى يتم التصويت عن طريق البريد، الذي رأى الحزب فيه أفضل طريقة لجلب الأصوات له. وتثبيتا لمشاهد فترة ما بعد فك الحظر، رأينا ارتفاعا في سعر الحاويات وتكدسها في الموانئ الأمريكية يفوق طاقات الاستيعاب لتلك الموانئ.

وما زال الرئيس الأمريكي بسياسته البيئية يريد إحلال الوقود في المركبات بتلك الكهربائية المعتمدة على البطاريات الصينية الصنع، ودعم استخدام الفحم الصيني والهندي بتلك الدول على حساب النفط والغاز بقبوله إعادة الالتزام باتفاقية كيوتو. ولتكون الطاقة البديلة مجدية أراد ارتفاع أسعار النفط لتحقيق تلك الأهداف ورغم آثارها التضخمية.

زاد إلى ذلك دخول روسيا في حرب مع جارتها أوكرانيا، ثم إطلاق حزم من العقوبات شملت منع استيراد النفط الروسي إلى الولايات المتحدة وسار على ذات النهج حلفاؤها كما مع الدول الأوروبية بحظر مشابه، ومن محاولات وقف استخدام الغاز الروسي ولا بديل. تلك العقوبات والحرب بمجملها دعمت عدم توافر المنتجات، خاصة الزراعية منها، التي تصدرها أوكرانيا، وتلك الأخرى بمختلف طبيعتها المصدرة لها روسيا مما أدت إلى ارتفاعها هي الأخرى.

وما زالت إدارة بايدن تريد التخلي عن كامل النفط أي ما يفيد بالتخلي عن جعل الدولار الوسيلة الأمثل والأولى في العالم كوسيط لتبادل السلع وبناء الاحتياطيات النقدية للدول. كما أن بتسييس الدولار بحظر روسيا من التعامل معه شكك فيه كعملة دولية آمنة وفتح الباب وأتاح الفرصة للصين وللدول النفطية ذاتها إن أرادت وغيرها بإيجاد أو استحداث عملة بديلة.

وأخيرا مما لا شك فيه أن زيادة الفوائد على الدولار، التي تبناها بنك الاحتياطي الأمريكي مؤخرا سوف تزداد وتيرتها لكبح جماح التضخم وستضاعف من تكلفة الإقراض، وسوف تزيد من عجز الولايات المتحدة ومن ضعف قدرتها على السداد بالمستقبل. فنحن أمام فترة قادمة سوف تتأثر بها سلبا كل الدول المرتبطة بالدولار، كما مع تأثرها بضعف النمو الاقتصادي وزيادة تكلفة التمويل وضعف بعملتها وما علينا إلا دراسة درء المخاطر والعمل بموجبه.

@SaudAlgosaibi