وليد الأحمد

في أحد صباحات شتاء العام الحالي، بدأت الموظفة هتاف دوامها في قاعة الاجتماعات الرئيسية. فتحت جهازها المحمول، وأسرعت في ربط عرضها مع شاشة قاعة الاجتماع على طاولة مستديرة، التف حولها رئيس وأعضاء لجنة إشرافية في انتظار سماع التحديث اليومي لمستوى الجاهزية للفريق المشارك في مؤتمر دولي كبير، بقيادة الموظفة المميزة.

على غير العادة، بدت مرتبكة ويداها ترتعشان حتى وهي تحاول تدفئتهما باحتضان كوب القهوة الساخن. قبل أن تبدأ عرضها استأذنت الحضور في أن تروي قصة قصيرة لا ترتبط مباشرة بما ستعرض ولا بالمؤتمر الدولي، بل بصديقة لها، اسمها إيناس، جمعتهما زمالة وصداقة طويلة ووثيقة في مكان عملها السابق، لكنَّ اختلافًا أو خلافًا مهنيًّا قد يبدو معتادًا في أماكن العمل عكّر الود والمعروف بينهما، ودفع هتاف إلى التردد في قبول محاولات إيناس لإصلاح ما انكسر، حتى أن الأولى حين غادرت موقع العمل للاستقالة لم تكلِّف نفسها عناء كلمة أخيرة من نوع شكرًا أو إلى اللقاء.

لم تُكمل هتاف شهرين منذ افترقت عن رفيقة دربها حتى جاءها في الأيام الأخيرة الخبر اليقين.

الشابة إيناس، وفي مقتبل عمرها، فجأة ودون مقدمات ترحل عن الدنيا للأبد!

نزل خبر وفاتها كالصاعقة. ونزلت دموع هتاف بغزارة في الاجتماع، رغم شخصيتها الجادة والقوية. الفقد مؤلم في كل عمر. الموت بشع تحت أي ظرف، لكن الأصعب أنها رحلت دون أن أقول لها شكرًا ولو لمرة واحدة، مقابل عشرات المرات التي قدَّمت لي فيها معروفًا. تقول هتاف وهي تروي القصة. تلتقط أنفاسها ثم تكمل. أروي هذه القصة كي لا أنسى أن أقول شكرًا صادقة لكل زملائي وزميلاتي الذين تفانوا في الأيام الأخيرة؛ لينجح عملنا مهام المؤتمر الشاق. لكل مَن تكلف عناء قراءة عشرات رسائل البريد الإلكتروني التي لا تتوقف خارج ساعات العمل، ليرد على استفسار. لكل مَن تبرع بالمساعدة خلال النقاشات اللا نهائية بمجموعات العمل في «الواتس آب». لكل مَن شجَّعني بكلمة طيبة وسط ضغط عملٍ يومي مُضنٍ تحضيرًا لمثل هذه المؤتمرات. لكل مَن أسدى معروفًا قديمًا أو حديثًا، كبيرًا أو صغيرًا، قولوا شكرا صادقة طيبة، كالمعروف الذي لا يموت ولو مات أهله.

@woahmed1