د. محمد حامد الغامدي

* طرح الأسئلة عن الزراعة ومصير المياه الجوفية يتعاظم مع تراكم السنين. ويجب تعاظمها كظاهرة صحية. فهل أصبحت مهمتي طرح الأسئلة بعد خبرة سنوات العقود الأربعة الماضية؟ إن طرح الأسئلة جزء من مهمتي ومهنتي العلمية، يتوّجها ويعززها تراكم الخبرة المتجددة، وهذا يعطي نجاحًا لاستمرار دفقها للبحث عن الحقيقة بقوة ورؤية. أسئلتي أصبحت أكثر نضجًا، وتأثيرًا، وإلهامًا، وأهمية إستراتيجية.

* إن طاقة الأسئلة -بشكل عام- تتجدد بمدى قوة ارتكازها على قضية جوهرية. أيضًا الأسئلة نتاج تفاعل. تقول الحكمة: فاقد الشيء لا يعطيه. الأسئلة تطفر في عملية أشبه بطفرة الماء الذي يغلي في الوعاء، وعندما تكون نتاج متخصصٍ، وخبير يعيش قضية، فهي تمثل خلاصة وثمرة فكر، لصالح هذه القضية، وترتقي أيضًا بمسار أهميتها.

* الأسئلة أفضل وأعظم شيء ينتجه الإنسان في حياته. بعضها يغيِّر مسار الحياة نحو الأفضل. وهذه إجابة عمَّن يسأل: ما فائدة طرح الأسئلة؟ إن أصعب شيء يواجه الإنسان هو طرح الأسئلة المصيرية والخلّاقة؛ لأنها نتاج حكمة التنبؤ المبنية على قراءة المؤشرات.

* الأسئلة إبداع، واهتمام، ونتاج تفاعل لا يملكه إلا صاحب قضية ضليع بأبعاد عمقها. إن صاحب الأسئلة -في العادة- يرى ما لا يراه الآخرون، ويستشعر تأثيرات مستقبلية يعيشها قبل أن تقع بثقلها على جوانب الحياة المتعددة. ويتحقق ذلك وفق مؤشرات يسهل قراءتها للمتخصص والخبير، وتمكّنه من التنبؤ علميًّا بمستقبل نتائجها.

* من الأشياء التي تثير الأسئلة أمامي، قضية توظيف التسهيلات المادية الحكومية للقطاع الزراعي. ويأتي السؤال: لماذا لم يتم توظيف التسهيلات المادية الزراعية بما يراعي الأهداف والسياسات على المدى البعيد في خطط التنمية السابقة؟ لماذا أصبحت الأهداف رغم سموِّها أحد مسارب ضياع الأموال والمياه؟

* هكذا تكون استدامة الأسئلة الإستراتيجية؟ أسئلة ذات أبعاد تنقلنا إلى نقطة نهائية تفرض السؤال التالي: مَن المستفيد؟ ولماذا؟ ما تأثيرات نتائجها على المستقبل المائي؟ هنا يطفو السؤال الإستراتيجي التالي: هل للمياه الجوفية خارطة طريق؟ هل ندرك أننا من أشد دول العالم فقرًا في مجال موارد الماء الطبيعية؟ ماذا يترتب على هذه الحقيقة؟ ماذا عملنا ونعمل؟

* المياه الجوفية هي المصدر الوحيد والطبيعي الذي تقوم عليه الزراعة في بلدنا سقاها الله. هل هذا واضح أمام الجميع ومفهوم الأبعاد؟ الماء قضية كبرى لم يستوعبها البعض. ماذا عن أصحاب المسؤولية والقرار وأهل الاختصاص العلمي؟ أقول بهذا في ظل مؤشرات سلبية نعيشها مع هذه المياه. فهل يعني أن شخصي استثناء؟ هل هو اتهام للآخر -المسؤول- بالقصور في أمر الاهتمام بأمر المياه الجوفية؟

* هل وصل شخصي مرحلة من نضج الاستيعاب حد طرح الأسئلة الغائبة؟ أعتقد بذلك وأفتخر. لماذا؟ المياه الجوفية قضيتي المستدامة منذ أربعة عقود. احتل الماء تفكيري الدائم، واهتمامي، وهمّي العلمي المستدام، وشغلي الشاغل الذي لم يكل أو يمل، فأصبح رسالة إنسانية أحملها، وخبرة تقود وتؤثر، وممارسة دائمة التنوير. المياه الجوفية قضية تشبّع شخصي بأبعاد تحدياتها. هذا مصدر فخري واعتزازي الملهم. ماذا عنكم؟

* طرح الأسئلة الإستراتيجية في حد ذاته إنجاز علمي وفلسفي. أيضًا حكمة خبرة تراكمية. أسئلتي التي أطرحها نتاج علم وخبرة، بهدفٍ غايته إنارة الدرب، وتحديد الاتجاهات السليمة. طرح الأسئلة يلفت النظر إلى أهمية تشكيل وعي يعي أبعاد أهمية طرحها.

* الأسئلة المتعلقة بالماء تمثل وبعمق محورًا واحدًا هو محور الحياة والموت. محور بحاجة لوعي ناضج يعرف كيف يدير هذا المحور. أيضًا يحدد أهمية مدى إتقان تحريكه ميمنة أو ميسرة ليقرر المصير. إنه الماء حامل سريان الروح في سائله.

* هل ما زال في الأفق بريق أمل يدعونا إلى محافظة استدامة كميات المياه الجوفية المتبقية في باطن الأرض، لصالح بقاء الأجيال القادمة؟ ويستمر الحديث بعنوان آخر.

twitter@DrAlghamdiMH