صُفِّدت الشياطين في رمضان؛ لكن لم نسلَم من وسوسة الشيطان؛ فقد جاءني مرارًا، وقال لي: إن صورتك في بطاقة (الهوية الوطنية) كئيبة، وتبعث على الحزن، ولا أعلم لماذا هذه المرة أشعر بأنه صادق وهو كذوب!
وتذكّرت أني كلما نظرتُ إليها اعتراني الضيق والضجر، وأقوم بإرجاعها إلى جيبي بسرعة؛ لكني كلما فتحت تطبيق (توكلنا) ظهرت لي صورتي الكئيبة في كل الوثائق، فقررتُ تغييرها، والحمد لله أبدلتها بصورة فيها ابتسامة عريضة، تدل على التفاؤل العريض، كما يقول مدربو تنمية الذات بائعو الأوهام!. ولم يشترطوا كشف الجبهة إلى منتصف الرأس هذه المرة، ولعل ابتسامتي فتَنتْهُم، وصرفتْهم عن ذلك!
المصيبة أن الحظ العاثر يلاحقني، فقد دخلني الرعبُ عندما نظرتُ في تاريخ انتهاء البطاقة الذي أكرمتني به إدارة الأحوال المدنية هذه المرة، وإذا هو 2/9/1463هـ الذي يوافق بالميلادي 29/8/2042م! تاريخ جعلني أنتفض خوفًا. كم سيكون عمري آنذاك؟ وهل سأعيش إلى ذلك التاريخ؟ وبدأ الشيطان الرجيم يغششني الأسئلة المرعبة، وماذا قدَّمتُ فيما مضى؟ وماذا ستقدم فيما بقي؟، وهكذا جمّدت يدي على البطاقة، وأنا في سيارتي واقفٌ بجوار الطريق، لا أعلم لماذا؟!.
في الحقيقة فكَّرتُ فيما أنا فيه، فلم ينشرح صدري لقول الشاعر:
عَرَيْتُ مِنَ الشَّبَابِ وَكُنْتُ غَضًّا... كَمَا يَعْرَى مِنَ الْوَرِقِ الْقَضِيبُ
وَنُحْتُ عَلَى الشَّبَابِ بِغُزْرِ دَمْعٍ... فَمَا نَفَعَ الْبُكَاءُ وَلَا النَّحِيبُ
أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا... فَنُخْبِرُهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيبُ
ووجدتني راضيًا بما أنا فيه، فلماذا أتمنى أن أعود إلى الماضي؟ فقد تعبتُ كثيرًا، وسهرتُ لياليَ مزعجةً؛ من جراء ظلم، وتعب، ودراسة خرجت فيها روحي، وبحث عن وظيفة، ومررتُ بأمراض أدخلتني المستشفى مرات عديدة، ونجوتُ من كوارث حقيقية. ومررتُ بمواقف تجرَّعتُ فيها الجمر، وسقطتُ فيها على وجهي. لا لا.. لا أريد أن أعود إلى الماضي. وتسليتُ ببيت أبي الطيب المتنبي الذي يُخبرنا فيه أنه تعوَّد وتأقلم وأَلِفَ الشيب، حتى إنه لو فارقه ورجع إلى الصبا لبكى على فراق شيبه:
خُلقْتُ أَلوفًا لو رجعتُ الى الصِّبا... لَفارَقْتُ شيبي موجَعَ القلبِ باكِيا
وأتسلى أيضًا بقصصٍ كنتُ أحفظها، وتذكَّرتُ قول الله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾. ماذا بعد السنوات الطوال؟ أليست المغادرة إلى الدار الآخرة؟ وماذا لقينا من الدنيا؟
حسد الناس أبا الطيب على جاهه وشعره، وقربه من الخلفاء والملوك، وتفوُّقه على الشعراء، فلم يجرؤ أحدٌ أن يقف في وجهه في زمانه، ولا بعد زمانه، لكنه كان يتعجب من هذا الحسد، فالناس في وادٍ، وهو في وادٍ آخر، يحسدونه على ما يشتكي منه:
مَاذَا لَقِيتُ مِنَ الدُّنْيَا وَأَعْجبُهُ... أَنِّي بِمَا أَنَا شَاكٍ مِنْهُ مَحسُودُ
وإذا ما سمعنا أخبار الذاهبين، قلنا ما قال الشاعر:
وَهَلْ أَنَا إِلا مِثْلهُمْ غَيْرَ أَنَّ لِي... بَقَايَا لَيَالٍ فِي الزَّمَانِ أَعِيشُهَا
وإذا استفقتُ من تفكيري هذا، حركتُ سيارتي ونسيت موعظتي لنفسي.
نصيحة: لا تصدقوا تاريخ بطاقة الأحوال المدنية، فما زلتُ شابًا في مقتبل العمر!.
وإلى اللقاء.
mhajjad@gmail.com
وتذكّرت أني كلما نظرتُ إليها اعتراني الضيق والضجر، وأقوم بإرجاعها إلى جيبي بسرعة؛ لكني كلما فتحت تطبيق (توكلنا) ظهرت لي صورتي الكئيبة في كل الوثائق، فقررتُ تغييرها، والحمد لله أبدلتها بصورة فيها ابتسامة عريضة، تدل على التفاؤل العريض، كما يقول مدربو تنمية الذات بائعو الأوهام!. ولم يشترطوا كشف الجبهة إلى منتصف الرأس هذه المرة، ولعل ابتسامتي فتَنتْهُم، وصرفتْهم عن ذلك!
المصيبة أن الحظ العاثر يلاحقني، فقد دخلني الرعبُ عندما نظرتُ في تاريخ انتهاء البطاقة الذي أكرمتني به إدارة الأحوال المدنية هذه المرة، وإذا هو 2/9/1463هـ الذي يوافق بالميلادي 29/8/2042م! تاريخ جعلني أنتفض خوفًا. كم سيكون عمري آنذاك؟ وهل سأعيش إلى ذلك التاريخ؟ وبدأ الشيطان الرجيم يغششني الأسئلة المرعبة، وماذا قدَّمتُ فيما مضى؟ وماذا ستقدم فيما بقي؟، وهكذا جمّدت يدي على البطاقة، وأنا في سيارتي واقفٌ بجوار الطريق، لا أعلم لماذا؟!.
في الحقيقة فكَّرتُ فيما أنا فيه، فلم ينشرح صدري لقول الشاعر:
عَرَيْتُ مِنَ الشَّبَابِ وَكُنْتُ غَضًّا... كَمَا يَعْرَى مِنَ الْوَرِقِ الْقَضِيبُ
وَنُحْتُ عَلَى الشَّبَابِ بِغُزْرِ دَمْعٍ... فَمَا نَفَعَ الْبُكَاءُ وَلَا النَّحِيبُ
أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا... فَنُخْبِرُهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيبُ
ووجدتني راضيًا بما أنا فيه، فلماذا أتمنى أن أعود إلى الماضي؟ فقد تعبتُ كثيرًا، وسهرتُ لياليَ مزعجةً؛ من جراء ظلم، وتعب، ودراسة خرجت فيها روحي، وبحث عن وظيفة، ومررتُ بأمراض أدخلتني المستشفى مرات عديدة، ونجوتُ من كوارث حقيقية. ومررتُ بمواقف تجرَّعتُ فيها الجمر، وسقطتُ فيها على وجهي. لا لا.. لا أريد أن أعود إلى الماضي. وتسليتُ ببيت أبي الطيب المتنبي الذي يُخبرنا فيه أنه تعوَّد وتأقلم وأَلِفَ الشيب، حتى إنه لو فارقه ورجع إلى الصبا لبكى على فراق شيبه:
خُلقْتُ أَلوفًا لو رجعتُ الى الصِّبا... لَفارَقْتُ شيبي موجَعَ القلبِ باكِيا
وأتسلى أيضًا بقصصٍ كنتُ أحفظها، وتذكَّرتُ قول الله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾. ماذا بعد السنوات الطوال؟ أليست المغادرة إلى الدار الآخرة؟ وماذا لقينا من الدنيا؟
حسد الناس أبا الطيب على جاهه وشعره، وقربه من الخلفاء والملوك، وتفوُّقه على الشعراء، فلم يجرؤ أحدٌ أن يقف في وجهه في زمانه، ولا بعد زمانه، لكنه كان يتعجب من هذا الحسد، فالناس في وادٍ، وهو في وادٍ آخر، يحسدونه على ما يشتكي منه:
مَاذَا لَقِيتُ مِنَ الدُّنْيَا وَأَعْجبُهُ... أَنِّي بِمَا أَنَا شَاكٍ مِنْهُ مَحسُودُ
وإذا ما سمعنا أخبار الذاهبين، قلنا ما قال الشاعر:
وَهَلْ أَنَا إِلا مِثْلهُمْ غَيْرَ أَنَّ لِي... بَقَايَا لَيَالٍ فِي الزَّمَانِ أَعِيشُهَا
وإذا استفقتُ من تفكيري هذا، حركتُ سيارتي ونسيت موعظتي لنفسي.
نصيحة: لا تصدقوا تاريخ بطاقة الأحوال المدنية، فما زلتُ شابًا في مقتبل العمر!.
وإلى اللقاء.
mhajjad@gmail.com