تحولت مدينة الدمام بسرعة من قرية صغيرة تعتمد على البحر والزراعة إلى مدينة جاذبة عندما بدأت شركة أرامكو بتوسيع أعمالها في المنطقة وبجذب رؤوس الأموال المحلية وتنشطها. وبدأت حركات الهجرات الداخلية إلى مدينة الدمام من مختلف مناطق المملكة لتحسين الوضع المادي، وبدأت عملية التبادل الثقافي بين المجتمع المحلي والمهاجرين تجري مجراها الطبيعي. تذكر ابنة أحد المهاجرين من مدينة الأحساء (خ) أنه مع تصاعد النهضة التنموية في البلاد قرر العديد من صاغة الأحساء الهجرة إلى مدينة الدمام تقريبا منذ 1944هـ طلبا لسعة الرزق إذ إن صياغة الذهب من المهن المطلوبة في الدمام، خصوصا مع وجود الأجانب، الذين استقطبتهم الشركات في الدمام وأبرزها شركة أرامكو، بالإضافة إلى توجه العديد من الأقارب إلى الدمام مما شجع البقية. استقرت الأسر المهاجرة في حي الدواسر أو ما كان يعرف بالديرة، وتنقلت الأسر في مساكن بالإيجار، ووصفت الدمام في وقتها بالـ (بر) وبقلة عدد مساكن (حي الدواسر)، ووصفت الابنة (خ) أن دكاكين الذهب كانت موزعة بين المساكن، وتذكر أيضا أنها كانت تسمع أصوات مناداة النواطير لبعضهم في فترة الليل (النواطير هم الأشخاص الذين كانوا يُستأجرون لحراسة دكاكين الذهب في الليل) إذ ينادي كل منهم (صاااااااحي) ويرد الآخر بنفس الكلمة للتأكيد على أنه لم يغفل عن الحراسة. تقول الابنة (خ) أيضا إن الفرق بين مساكن الأحساء الطينية ومساكن الدمام المبنية من فرش البحر هي أن الأخيرة كانت تنثر الملح وفتات الأحجار الصغيرة على النيام مما كان يسبب لهم الإزعاج، وكان الأطفال يفرشون (حصير ميناوي) (حصير لكن بسماكة أقل) فوق الحصير العادي بغرض التبريد، وأنهم استمروا بوضع جرات الماء الطينية على جدران السطح لتبريدها، وتذكر أيضا أن المطبخ كان غرفة صغيرة احتوت على سحاحير الخضراوات وضعت عليها البهارات وعدة الطبخ (سحارة هي الصندوق الخشبي، الذي توضع فيه الخضراوات لتباع) كانت تصف الصناديق فوق بعضها لتكون دولابا يسع عدة المطبخ. استمر استخدام الأسرة للبساطات في الغرف ما عدا في المجلس، الذي تميز أيضا بوجود السجادة المصنوعة من الصوف، كما واستمرت بعض الأسر في حي الدواسر في تلك الفترة تعتمد نمط حياتها الإنتاجي بالرغم من عدم وجود السمادة والدواجن (نمط الحياة إنتاجي يعني اعتماد الأسرة بشكل أساسي على ما تصنعه الزوجة من منتجات الحليب من دواجن السمادة، فكانت الزوجة تبدأ نهارها بحلب البقرة ورج الحليب لاستخراج الزبد واللبن واللبنة)، إلا أن هذه الدواجن لم تنتقل إلى مدينة الدمام، فأوجد المهاجرين حلا بديلا لإنتاج مشتقات الحليب باستخدام الحليب المجفف (النيدو)، الذي أغناهم عن وجود البقرة في المسكن. وتذكر مهاجرة أخرى من الأحساء أنهم كانوا يشترون الحليب ومشتقاته من بائع يأتي يوميا من الأحساء محملا بالفواكه الطازجة، ومنتجات أخرى توضع في (دباب). وعندما بدأ دخول التكنولوجيا التدريجي على المدينة التقليدية اليافعة، التي واجهت تميدات كابلات الكهرباء، أو حفريات لتمديد المياه لتمتد بين مساكنها التقليدية المتراصة وشوارعها الضيقة. فاشترى القلة بعض من هذه الأجهزة كرب الأسرة (أ)، حيث تذكر ابنته الكبرى أن والدها اشترى التلفاز، وكان يعرض قناة الظهران، التي كانت تبث برامج ثقافية زادت من وعي المجتمع في تلك الفترة بالتغيرات من حولهم، ومع تحسن الأوضاع المادية، التي واكبت تطور التكنولوجيا استطاع الوالد شراء ثلاجة وضع فيها الماء للتبريد وغاز للطبخ ووضعا في الحوي، وهكذا بدأ الدخول التدريجي للتكنولوجيا وبدأ مع تغييرات ثقافية واجتماعية متراكمة... وللحديث بقية.
إنستجرام: Dr_fatima_Alreda
إنستجرام: Dr_fatima_Alreda