عبدالله الغنام

لا أريد أن استهل المقال بالتعميم (فالتعميم في الغالب خطأ!) ولكنك ستجد شخصيات في بعض المجالس ومواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن نسميهم (ناقدو ما بعد الحدث). وهم أولئك الذين يبدون آراءهم في مسائل شخصية بانتقاد ظاهر أو مبطن ليثبتوا أنهم على صواب.

ولعلي أضرب شيئا من الأمثلة لتتضح الصورة وتتجلى الفكرة. فالبعض ينتقد بشكل واضح وسلبي من يقدم على شراء سيارة أو منزل أو حتى هاتف ذكي أو غيرها من المقتنيات والمنتجات إذا لم توافق هواه. والانتقاد قد يكون بأشكال مختلفة مثل: هذا المنتج غال وهناك أفضل منه قيمة وجودة، أو هذه النوعية من السيارات بها عيوب كثيرة، أو موقع منزلك الجديد غير مناسب ومكلف. وتتعدد الكلمات والتلميحات بصور مختلفة، ولكن المعنى واحد وهو إعطاء الرأي بلا حاجة أو داع. ومن وجهة نظري أنه إذا لم يستشيرك أحد فليس هناك مسوغ للنصيحة أو الرأي لأنها أتت بعد فوات الأوان! وهي للأسف قد تجعل من نخاطبه يندم أو يتضايق، ونكون بذلك قد قتلنا الفرحة بقصد!! أو بجهالة.

والأسوأ هو حين يكون الحديث أو الانتقاد في مجلس عام وليس خاص. وقد قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: تعمدني بنصحك في انفرادي وجنبني النصيحة في الجماعة، فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه. وأضف إلى ذلك أن البعض يبدي رأيه دون معرفة التفاصيل، والقاعدة المشهورة تقول: «الحكم على الشيء فرع عن تصوره».

والواقع أن فئات من الناس يستشيرون وبعضهم أيضا يستخيرون قبل الإقدام على شراء منتج أو سلعة ذات قيمة كبيرة. ومنهم من يخبرك بالأمر (بعد الحدث) للمعلومية وليس لأخذ الرأي أو الاستشارة. وهنا تكون المباركة كمجاملة هي العمل الصائب حتى وإن اعتقدت أن اختياره ليس الاختيار الأفضل. والحقيقة أنك لم تعش المعاناة وتفاصيلها فقد يكون وراءها قرض شاق أو دين مرهق، وربما سنوات من جمع للمال من هذا أجل هذا الهدف أو السلعة.

والناحية الأخرى أن بعضا من المقتنيات والممتلكات يكون الدافع لشرائها ليس ماديا صرفا! بل هو الميول نحو منتج معين أو سلعة محددة وغيرها من الأسباب التي لا نستطيع أن نقيسها بالمال. فالبعض مثلا يفضل السفر إلى دولة معينة يجد بها الراحة والمتعة فلا يعني أبدا أنك سترتاح مثله لنفس المكان! ومن الناس من يفضل شراء سيارة بعينها فلا يدل ذلك على أنه (غلطان) لأنه لم يوافق مقترحاتك! فالمثل يقول: لوﻻ اختلاف اﻷذواق لبارت السلع في اﻷسواق.

أضف إلى ما سبق أن الناس لا يزالون مختلفين، وتلك سنة من سنن الحياة، ولو لم يكن ذلك لكنا (كالإنسان الآلي) نسكن في بيوت متشابهة، وسيارات متماثلة، ومقتنيات متطابقة وهذا عين المحال!

والجدير بالإشارة أن المؤمن كيس فطن (عاقل ذو بصيرة)، فإذا رأيت أحدهم قد اشترى منزلا أو أرضا أو مركبة أو سلعة (ليست توافق مزاجك!) فلا تعطي رأيك، ولا تنتقد سلبا لأن نصيحتك لا تقدم ولا تؤخر (يعني بعد الحدث) فإن لم تمدح أو تبارك فلا أقل من الصمت، والصمت يغني عن البوح أحيانا! وخير من ذلك كله تركك ما لا يعنيك.

وقبل أن ننتقد الآخرين لنتذكر أننا في يوم ما قد اخترنا واقتنينا أشياء في حياتنا ليست لأنها الأفضل اقتصاديا، ولكن لأن تلك الأشياء تعلقت بها خواطرنا (العاطفة). والإنسان عموما يتمتع بالسلع والمقتنيات بحثا عن الراحة وليس السعادة، لأن الراحة شيء مؤقت، وأما السعادة فهي أمر دائم قد يتخلله بعض المنغصات!.

وبناء على ما أسلفنا، لسان الفطن وراء عقله، وأما الأحمق فلسان بلا عقل!

abdullaghannam@