محمد حمد الصويغ

أفكار وخواطر

يقال إن أعذب الشعر أكذبه، وأنا أقول إن أعذبه أرثاه أو أنَّ أصدقه أرثاه.. ذلك أن الشاعر الرَّثَّاء بتشديد الثاء لا يملك إلا أن يكون صادقًا، فشعره يصدر من نفسٍ مترعة بالأسى والحزن، وشِعرنا العربي مليء بنماذج جيدة من هذا الصدق المرتبط جذريًا بالرثاء، وأكاد أقول إن من المرثيات الشهيرة في شعرنا العربي مرثيتَين، إحداهما لابن الرومي يرثي ابنه، والأخرى للتهامي يرثي فيها ابنه أيضًا، حيث يشبه ابن الرومي فقدان أحد أبنائه بفقدان جارحة من جوارحه، وثمة تصوير رثائي رائع حينما يخاطب الشاعر ابنَيه الصغيرين وهما يلعبان بمعزل عن ابنه الراحل، وكأن الشاعر يعز عليه أن يراهما يلعبان دون أن يرى أخاهما يلعب معهما، ونكاد نلمس التعذيب الذي يلمسه الشاعر وهو يرى ابنيه يلعبان ويلهوان، بينما قلبه يكاد يتمزق من الحزن على ابنه الفقيد.

ويستفتح الشاعر التهامي مرثية ابنه بفاتحة بالغة في العمق والدقة، فكأنه بذلك يرثي البشرية كلها قبل أن يرثي فقيده، ويتساوى المخبر مع الخبر، فمن كان ينعى بالأمس ها هو يُنعى اليوم، فكلماته تقترب من الحِكمة، وكأني به يقول إن من العبث في هذه الدنيا أن يبني الإنسان آماله وأحلامه على شفير هار؛ لأن هذه الدنيا فانية غير باقية، ولا شك في أنها كلمات لا يمكن أن تكون قريبة إلا من أسباب الصدق ودواعيه، وأعود إلى ما بدأت به فأقول إن قمة الصدق في الشعر تكون في الرثاء دون غيره من الأغراض الشعرية المعهودة؛ لأن الشاعر حينئذ يرسم كلماته ممزوجة بدمعه وحزنه ومأساته، فلا يمكن أن تخرج الكلمات من نفسه الشاعرية إلا صادقة كل الصدق.

mhsuwaigh98@hotmail.com