غنية الغافري

الكحة ردة فعل طبيعية يصدرها الجسم للتنبيه عن وجود مشكلة في الجهاز التنفسي تحديدا ولا دخل للإنسان في إيقافها طالما كانت حقيقية وهي دعم نفسي للمريض تنبه عن وجوده وحاجته للتعاطف أو الرعاية، والكحة على اختلاف أنواعها مزعجة مشوشة لمن يقع في محيط المصاب الحقيقي لكنها أكثر إزعاجا «للكحاحين» تصنعا الذين لا يجدون سبيلا للفت الانتباه إلا بها !

والمصاب بمتلازمة الكحة «المزيفة» يكح ويوثق كل كحة ! ويجعلها شاهدا من شواهد تميزه مع أن بعض «الكحات» لا تأتي إلا همسا ولا تستدعي لفت الانتباه لها !

وفي مجال الأسرة نجد الزوج «الكحاح» لا يفتأ عن ذكر أفضاله حتى وإن كانت من قبيل الواجب لا الفضل وكذلك بعض الزوجات أو حتى أفراد العائلة منهم من يمرر كرمه وطيب عشرته كالطيف الهادئ دون أن يشعر أحدا بها أو يشعره بالامتنان بل ربما تجمل بالخفاء فلا يحتاج لسيل من الثناء أو التمجيد على جميله فسلامته وحبه لما يقوم به من خدمة وثقته بنفسه تغنيه عن هذا !

والعجيب ما يحدث في بعض الحسابات الشخصية لوسائل التواصل الاجتماعي فلا يخلو معرف الكحاحين من تمجيد مبالغ إما مكتوب أو حديث مباشر، أما في مجاميع «قروبات» المحادثات الجماعية وإذا كان في هذه المجموعة مسؤول فإن «الكحاح» يبالغ في كحاته ليسمعها رئيسه فيغتر به ! فيدرج من الإنجازات ما ليس إنجازا أصلا بل واجبا من واجباته ويضخم من العمل الصغير ويوثق بالصور ما ليس بحقيقة حتى يظهر بأنه الموظف الذي ما مر على منظمته مثله بل ربما يخاطب ذاته بزهو على اعتبار أنه المقصود في هذا البيت:

وأحسن منك لم ترى قط عيني و(أفضل) منك لم تلد النساء !

حتى أن بعضهم تناقشه في الخاص فيرد عليك في المجموعة لينتصر لنفسه ويشكل «لوبي» يدعمه ويعزز مكانته العالية الرفيعة !

والأعجب من ذلك أن يجد التعزيز والشكر والثناء على كحاته «المصطنعة» ويرضي فضوله ورغبته في تسليط الأضواء والشهرة أمام العاملين بصمت! الذين لا يرون في «الكحة» ولا يجدونها سبيلا لبيان عملهم الحقيقي الصادق، لكنهم حقيقة «يموت بعضهم كمدا».

إن أولئك «المختصرين، قليلي الكلام» الذين يكتفون من (القلادة بما أحاط بالعنق) ويتكلمون عن منجزاتهم التي رصدت في مجلد في صفحة واحدة هم حقيقة لا يرون في ذلك المجلد إلا حشوا بينما المنجز الحقيقي هي تلك الصفحة الواحدة التي اعتمدوها في حديثهم، قد تختلف القناعات والمفاهيم من شخص لآخر لكن يبقى المسؤول هو المقيم الحقيقي المنصف «للكحاح المزيف» والذي يواري كحته ويداري ألمه ويكره «الأنا» ويعزز العمل بروح الفريق ويمسك بهم لينطلقوا جميعا نحو القمة فهي تتسع الجميع في نظره.

وربما نجد للمصاب بداء الكحة المزيفة العذر في هذا التلازم فإن العلاوات والحوافز والمكافآت والترقيات والانتدابات والتسهيلات والمناصب والمميزات في بعض القطاعات هي لفريقين (أصحاب الواسطات والكحاحين) ولا عزاء لمن لا يجيدون فن القصص والتشويق والرواية ولفت الانتباه والإسهاب فيما حقه الاختصار والتلون بحسب الموجة ! وعموما ليست كل كحة مذمومة وليس كل اختصار مرغوبا، وأنا حقيقة مع الكحة الحقيقية المنصفة التي تحدث التوازن وتحقق الإنصاف أمام من ينكر الجهود ويقيم العمل من خلال التضحيم الكلامي والبرباجاندا التي أصبحت الحل الناجع لقلب الحقائق وتوجيه العقول..

وأخيرا: كحوا فما خاب من كح !

قفلة:

الصادق اللي لا جامل ولا نافق

ولا معه للتملق بالهرا فاقة

من صغر سنه وهو في كلمته صادق

دايم ونفسه لقول الحق تواقة

مخفاه صدره حكاه السانه الناطق

لا ظغن مخلوق تمسي نفسه منظاقة

@ghannia