عبدالعزيز الذكير

المتأمّل لأبواب ونوافذ الاستثمار في بلادنا قديما يجد أنه عندما بدأ صرف الرواتب النقدية لموظفي الدولة (نهايات الأربعينيات من القرن الميلادي الماضي، تقريبا) صار الفائض من النقد لا يتجه إلى دكاكين السلع الاستهلاكية، بل إلى دكاكين خدمات المداينات لاستعمالها من قِبَل التاجر في منح ديون لأصحاب الحاجة، وتقاسم الربح.

وكان مكان عقد هذه الصفقات سوقا تباع فيه المواد الغذائية والتموينية يطلق عليه اسم (الجفرة)، ويقع جنوب (المقيبرة)، ويحتوي هذا السوق على دكاكين صغيرة متراصة مليئة بأكياس الأرزاق مثل الأرز والسكر والقهوة والهيل.

والدين بتعريف القاموس غير ذي أجل، وإلا فهو قرض. واستعاذت الأدعية من غلبة الدين، كذا تناولته الأدبيات الشعبية منها والفصحى ووصفته بأنه الهمّ الأكبر في مسيرة الحياة. قال محمد بن لعبون:-

حيّ المنازل تحية عين

لمصافح النوم سهرانه

ولا تحية غريم الدين

معسر، أو وافاه ديّانه

ومتأكد أنا أن الشاعر الشعبي ابن لعبون (توفي 1247 هجرية) وجد أن مقابلة الديان تؤلم. ومتأكد أن ثقافة شاعر مثل ابن لعبون -رحمه الله- أعطته معرفة واسعة عن عقاب المدين في أمكنة وبلدان أخرى. ففي القديم كانوا يعرون المدين ويجرونه في الأسواق بعد تحميله حجرا كبيرا على ظهره، ويتهدده الدائن بالقتل إذا لم يقم بحق الوفاء. وإذا شاء أن يقتله فلا يمنع. وفي بلد آخر كانوا قديما يسنون عقابا بأن يأتي الدائن زوجة المدين وأولاده ويعرضهم عراة لحرارة الشمس عند باب بيته، ويُبقيهم على هذه الحال حتى يحصل على المال. وكان من حقوق الدائن استملاك زوجة المدين. فإذا استملكها يخسر حقه في الدين..!. وفي كوريا قديما تقول دائرة معارف البستاني كانوا يسترقون المدين. وفي سومطرة كانوا حتى عهد قريب يطردون المدين وأعضاء عائلته إلى غابات كثيفة كي يختفوا، ولا يظهروا للعلن إلا بعد وفاء الدين.

وتفنن البعض في إيجاد وسيلة شرعية لإدخال الربا في المداينات بأن جعلوه -تضليلا- عملية بيع وشراء بثمن معجل ومؤجّل.

والموحش الآن أن الديون تراكمت على الكثير، وجزء منها لأغراض ترفيهية كالسفر والمباهاة وحب تملك الغالي. وفي الشعر الإخواني قرأنا:

لم يبق في جيبي سوى تعريفةٍ

واللهُ يمنحُ من يشاء ويرزقُ

لمّا قصدتُ البنك أطلب سُلفةً

قالوا: انصرف فالبنكُ لا يتصدّقُ

شاورتُ للتكسي.. أُريد ركوبهُ

فمضى يُبرطع كالحمار وينعقُ

السائقون دروا بإفلاسي فما

يقفون لي.. وأنا أُشير وأزعقُ

@A_Althukair