قد يستغرب البعض، أو حتى يستنكر هذا العنوان، الذي توصف فيه الديموقراطية بالبلوى. وللتوضيح أقول إنِّ حديثي ليس عن الديمقراطية بمفهومها النظري الصرف، الذي يدرس في الجامعات، ولا عن الديمقراطية الأولى، التي أنُتجت كنواة للفكر السياسي الغربي في زمن اليونان، وزمن مدنهم التي كانت تدار بشكل ديمقراطي قريب من المثالية.
أنا أتحدث عن النسخة العربية من الديمقراطية، أي الديمقراطية بالمقاسات العربية، وبالاستخدام، والتكييف العربي لذلك المفهوم. جُل الأنظمة السياسية العربية اليوم تصف نفسها بالديمقراطية وتمارس نشاطين ظاهرهما ديمقراطي، مثل الانتخابات البرلمانية أي انتخاب نواب عن الشعب يمثلونه في مواجهة السلطات الأخرى ويجيزون القوانين، والأنظمة أو يصنعونها، وهناك دول عربية تجري فيها كل فترة زمنية معينة انتخابات رئاسية تخص انتخاب شكل الرئيس، الذي هو موجود في السلطة منذ عقود، وورث السلطة وممارستها بشكل ديمقراطي عربي من المرحوم والده، ومن المتوقع أن يستلم السلطة بعد الرئيس العربي المنتخب ديمقراطيا شقيقه، أو ابنه. كل ذلك يجري في وطننا العربي تحت إشراف وزارات معينة يعرفها الناس في البلدان العربية الديمقراطية، وهي التي تطبخ كل شيء على نار الديمقراطية، وتقدمه للناس في احتفالية ينقصها الصدق، والجدية.
ومن المحزن أن هذه الإجراءات الشكلية ديمقراطيا، والناقصة بحسب النماذج المثالية، والموضوعية لممارسة المفهوم مثل غياب الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية، وغياب صحافة حرة ومتعددة، وتضاؤل وسائل تعبير عامة قانونية تضمن للناس حياتهم في ظل قانون معروف وموحد.
قبل سنوات كنت في زيارة لعاصمة عربية وركبت مع صاحب تاكسي أجرة وكانت المسافة للمكان الذي أقصده طويلة نسبيا تفوق نصف الساعة مما أتاح لنا الحديث، وكان سؤاله الأول وهذا طبيعي، من أين أنت؟ فأخبرته بأني مواطن سعودي. وبعد أن أثنى على بلادي، وذكر أهمية وجود الأماكن المقدسة وأمنياته الطاغية بزيارتها، عاد ليذكرني ببلاده، وما تنعم به من مزايا، أهمها الديمقراطية. وكان السائق رجلا كبيرا في السن حينها، مما سمح لي بسؤاله عن جملة أمور بعيدا عن الديمقراطية ومعناها، وسبل تطبيقها. فقلت له كم سنة والرئيس الحالي يحكم هذه البلاد الطبية، فقال: اقترب من إكمال ثلاثة عقود، وسألته ما هي الأحزاب السياسية، التي تجسد الديمقراطية بمتابعتها لنقائص السلطة التنفيذية إن وجدت، وبالسماح للناس بالانضمام إليها لأنها نظريا تمثل توجهاتهم السياسية وتطلعاتهم في إدارة دولتهم. فقال الصوت الغالب للحزب الحاكم، ومَنْ لا ينضم لعضوية الحزب يصبح مواطنا غير مرضٍ عنه، وكثير من أموره الحياتية قد تتعثر. وأضاف إنه لا يسمع في إعلام بلاده سوى حركة، ونشاط، وجهود الحزب الحاكم. سألته كم صحيفة تصدر يوميا في العاصمة تمثل المعارضة وتعبر عن آراء الناس. فأخبرني أن آخر صحيفة كانت توصف بصحيفة معارضة أوقفت عن الصدور رسميا منذ عقود، وأن نصف الجيل الحالي اليوم لا يتذكر حتى اسمها.
التطبيق الناقص، والمبتور لا يمكن أن ينتج ديمومة سياسية، ولا نظاما سياسيا مستقرا، وقاعدة ما لا يدرك كله لا يترك جُله، لا تنطبق على الأنظمة السياسية فإما ديمقراطية كاملة ومجتمع ديمقراطي طبيعي، وإما اختيار نظام يحفظ للجميع حقوقهم وللبلاد أمنها، واستقرارها.
@salemalyami
أنا أتحدث عن النسخة العربية من الديمقراطية، أي الديمقراطية بالمقاسات العربية، وبالاستخدام، والتكييف العربي لذلك المفهوم. جُل الأنظمة السياسية العربية اليوم تصف نفسها بالديمقراطية وتمارس نشاطين ظاهرهما ديمقراطي، مثل الانتخابات البرلمانية أي انتخاب نواب عن الشعب يمثلونه في مواجهة السلطات الأخرى ويجيزون القوانين، والأنظمة أو يصنعونها، وهناك دول عربية تجري فيها كل فترة زمنية معينة انتخابات رئاسية تخص انتخاب شكل الرئيس، الذي هو موجود في السلطة منذ عقود، وورث السلطة وممارستها بشكل ديمقراطي عربي من المرحوم والده، ومن المتوقع أن يستلم السلطة بعد الرئيس العربي المنتخب ديمقراطيا شقيقه، أو ابنه. كل ذلك يجري في وطننا العربي تحت إشراف وزارات معينة يعرفها الناس في البلدان العربية الديمقراطية، وهي التي تطبخ كل شيء على نار الديمقراطية، وتقدمه للناس في احتفالية ينقصها الصدق، والجدية.
ومن المحزن أن هذه الإجراءات الشكلية ديمقراطيا، والناقصة بحسب النماذج المثالية، والموضوعية لممارسة المفهوم مثل غياب الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية، وغياب صحافة حرة ومتعددة، وتضاؤل وسائل تعبير عامة قانونية تضمن للناس حياتهم في ظل قانون معروف وموحد.
قبل سنوات كنت في زيارة لعاصمة عربية وركبت مع صاحب تاكسي أجرة وكانت المسافة للمكان الذي أقصده طويلة نسبيا تفوق نصف الساعة مما أتاح لنا الحديث، وكان سؤاله الأول وهذا طبيعي، من أين أنت؟ فأخبرته بأني مواطن سعودي. وبعد أن أثنى على بلادي، وذكر أهمية وجود الأماكن المقدسة وأمنياته الطاغية بزيارتها، عاد ليذكرني ببلاده، وما تنعم به من مزايا، أهمها الديمقراطية. وكان السائق رجلا كبيرا في السن حينها، مما سمح لي بسؤاله عن جملة أمور بعيدا عن الديمقراطية ومعناها، وسبل تطبيقها. فقلت له كم سنة والرئيس الحالي يحكم هذه البلاد الطبية، فقال: اقترب من إكمال ثلاثة عقود، وسألته ما هي الأحزاب السياسية، التي تجسد الديمقراطية بمتابعتها لنقائص السلطة التنفيذية إن وجدت، وبالسماح للناس بالانضمام إليها لأنها نظريا تمثل توجهاتهم السياسية وتطلعاتهم في إدارة دولتهم. فقال الصوت الغالب للحزب الحاكم، ومَنْ لا ينضم لعضوية الحزب يصبح مواطنا غير مرضٍ عنه، وكثير من أموره الحياتية قد تتعثر. وأضاف إنه لا يسمع في إعلام بلاده سوى حركة، ونشاط، وجهود الحزب الحاكم. سألته كم صحيفة تصدر يوميا في العاصمة تمثل المعارضة وتعبر عن آراء الناس. فأخبرني أن آخر صحيفة كانت توصف بصحيفة معارضة أوقفت عن الصدور رسميا منذ عقود، وأن نصف الجيل الحالي اليوم لا يتذكر حتى اسمها.
التطبيق الناقص، والمبتور لا يمكن أن ينتج ديمومة سياسية، ولا نظاما سياسيا مستقرا، وقاعدة ما لا يدرك كله لا يترك جُله، لا تنطبق على الأنظمة السياسية فإما ديمقراطية كاملة ومجتمع ديمقراطي طبيعي، وإما اختيار نظام يحفظ للجميع حقوقهم وللبلاد أمنها، واستقرارها.
@salemalyami