يوسف الحربي

كثيرًا ما يستهوي مُتلقي الفنون والمُهتم بهذا المجال، وكل متابع للجمال بشكل عام، عالم الفنان، فيتساءل في أعماقه عن ذات الفنان وحضوره وحسيّاته الداخلية وأمكنته التي فجّرت من عمقه كل تلك الألوان والخطوط وحكاياته الطفولية والناضجة، وروحانياته التي ارتبطت بكل تلك الذاكرة التي خزّنها وأعادها في تصوراته البصرية، فيستفزه ذلك، ويسرح بخياله بعيدًا ليحاول في داخل كل عمل فني إيجاد جواب لأسئلته، لكن هالة الغموض تبقى السائدة ويبقى الفنان حارس الضوء والظلال، والمُتمكّن من اللون في عالمه.

غير أن جمعية الثقافة والفنون بالدمام، ومن خلال برامجها المُتنوعة وسعيها لخلق صلة بين الفنان وعالمه والمتلقي وشغف بحثه، ابتكرت مساحة جمعت المثقفين والفنانين، ضمن برنامج الأستوديو المفتوح، حيث يقوم في كل نشاط بزيارة لمرسم فنان من فناني المنطقة والدخول إلى عالمه المليء بالحكايات، ومتابعته عن قرب في مرسمه الذي يعجّ بتفاصيل تفوح من ذاكرة بصرية يستنطقها اللون وتستدرجها المفاهيم التي تفكّك الفكرة لتُرى جلية في كل عمل.

إن لهذه الفكرة والنشاط دورًا مهمًا في خلق تآلف فكري وبصري وفني وجمالي له خصوصياته المُشرقة بالمحبة، فقد أرادته جمعية الثقافة والفنون أكثر من برنامج وأعمق من نشاط، أرادته تكريمًا للفن في الوطن، وغوصًا في أعماق الفنان، أرادته أيضًا اعتزازًا بطاقات تستحق أن تُفتح عليها عين المتلقي وتُبصرها بتفاصيلها الثرية في كل زاوية وركن، وكل كتاب وقصاصة، وكل لون تغلّب على عنفوان اللوحة، وكان فيها المعنى الذي يضج بالقراءات.

فليس من السهل الدخول إلى عالم فنان دون العودة بنضج بصري في حديثه وتساؤلاته في طرحه الوجودي وتماثله الفلسفي، وتوليفاته الحسية التي تنطلق مع الفرشاة عميقة وبعيدة قادرة على احتواء الماضي ومعانقة الحاضر واستشراف المستقبل، فالتواصل الذي يجمع الفنان بالمتلقي وبقية الفنانين يبلور المعرفة، ويُثري التفاعل بشكل يخلق وعيًا متكاملًا عند التلقي، ما يتكامل مع الفهم والمتابعة، فعالم الفنان جزء من الذاكرة البصرية الفنية، وتكريم لجهوده البصرية في تكريس الحس والذوق والتأسيس لعالم من الجماليات.

@yousifalharbi