سعود القصيبي

كنت انتدب وأنا طفل صغير لحضور معرض جمعية فتاة الخليج الخيرية النسائية بالخبر لأقف وراء طاولة المعروضات لبيع منتجات منتسبات الجمعية في يوم الرجال، وهو عادة ما يكون اليوم الأول لتلك المعارض. حينها كان يحضر لافتتاحها مسؤولون ووجهاء منهم أمير مدينة الخبر سعود الشويعر، وبالطبع كان هناك من يكبرنا سنا لإتمام عمليات البيع. وكنت أتوق لحضوره كل عام لحين ما توقف العمل بيوم الرجال واقتصرت تلك المعارض بيومها الأول للنساء.

جمعية فتاة الخليج هي من أقدم الجمعيات الخيرية في المنطقة الشرقية والمملكة وهي جزء لا يتجزأ من مدينة الخبر ونسيجها ومكونها الاجتماعي. يأتي تسجيلها الوزاري بالرقم 15 أسست منذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما لم تتوقف فيها من العطاء والعمل الخيري الاجتماعي.

جاء تأسيس الجمعية عام 1388هـ - 1968م عن طريق مجموعة من الفتيات في العقدين الأول والثاني من العمر اخترن أن تكون خدمة المجتمع من أولى أولوياتهن وجل اهتمامهن، تلاقى فيه شغف وحب عمل الخير مع الرغبة في الكفالة الاجتماعية المؤسسية ومن تطوير وإصلاح للمجتمع. تأسست هذه الجمعية في زمن لم يعرف فيه عن العمل الأهلي الخيري المؤسسي إلا أقل القليل. ولعلها الريادة أن تكون المثل الأعلى فهي أحد الأمثلة الناجحة والقدوة على المستوى المحلي وعلى مستوى المناطق.

أتى في بداية تأسيس الجمعية أن من أهدافها رعاية الأمومة والطفولة، وإعداد برامج تثقيف الأمهات اللاتي لم يلتحقن بالمدارس الحكومية، وتقديم مساعدات اجتماعية مادية وعينية، وإعداد برامج فنية لتدريب وتعليم الخياطة والتفصيل والأشغال اليدوية، وإعداد برامج تثقيفية صحية بالاشتراك مع مركز التثقيف بأرامكو. وما لبثت أن تطورت وتنوعت نشاطات الجمعية ومنذ تأسيسها انطلاقا من أهدافها. فمن ريادة الجمعية، أنها فتحت أول برنامج لمحو الأمية وفصول التقوية وقبل مدارس تعليم البنات في المملكة. كما أنها أول من فتح مركزا لتدريب معلمات رياض الأطفال وأول من نفذ برنامج كفالة الأيتام قبل تعميمه من قبل الشؤون الاجتماعية على جميع الجمعيات الخيرية بالمملكة. بالإضافة إلى أن الجمعية أول من بدأ مشروع التدبير المنزلي الذي يعتمد على تعليم الطبخ ناهيك عن فتحها روضة للأطفال وتعليم الآلة الكاتبة والتفصيل والخياطة. ومن مبادراتها أنها أسست مركزا للطفولة المبكرة، والرعاية النهارية، ومركز عطاء الخير.

ولم يقتصر دور الجمعية على نشاطاتها المباشرة فمن خلال عضواتها من المتطوعات أسست عددا من اللجان العاملة والتي جاءت لها نشاطات وبرامج مجتمعية ريادية مميزة نرى شواهدها من خلال شكر وثناء المجتمع عليها وفي وسائل التواصل الاجتماعي. ومن هذه اللجان لجنة عطاء الخير للأسر المنتجة، اللجنة الاجتماعية، الصحية، الدينية، الثقافية، الفنية، كافل يتيم، والتعليم الخاص. ومن ريادتها ورؤيتها المستقبلية في استمرار العطاء أنها أنشأت برنامج الزهرات والذي أنشئ عام 1417هـ - 1997م لترغيب الفتيات بحب العمل التطوعي الخيري منذ الصغر ولخلق الشعور بالمسؤولية وليشكل هؤلاء النواة لجيل جديد لإكمال مسيرة الجمعية مما بدأته أمهات العضوات.

وتلخيصا لمسيرتها فإن جمعية فتاة الخليج وعبر تلك العقود الخمسة منذ تأسيسها قامت بدور رائد في تقديم الدعم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للمجتمع. فالريادة هي رؤيتها والتنمية الاجتماعية هي رسالتها والاستدامة هي ثقافتها. كما طورت الجمعية مواكبة للعصر تطلعاتها وأهدافها لتصل بالعمل التطوعي إلى مراكز متقدمة نالت في ذلك العديد من الجوائز والتكريم.

وآتي في الختام للقول بأن الريادة أمر لا يستطاع تعليمه وتدريسه وهو شيء مجسد بالذات ومؤصل بمبادرات هذه الجمعية وعضواتها من العمل الحسن. وما تلك الذكريات الجميلة في زمن الطفولة من الوقوف مساعدا لبيع منتجات منتسبات الجمعية من الأسر المنتجة السباقة لمفهومها، إلا خير برهان وشاهد على حسن صنيعها وتدبيرها ورؤيتها بما أصلته للأجيال من حب العمل الخيري التطوعي والكفالة المجتمعية. وأقول شكرا لجمعية فتاة الخليج، شكرا لتلك الفتيات والزهرات المؤسسات، شكرا للأمهات والأخوات العضوات، شكرا لكل عاملة ومنتسبة ومشاركة على كل هذه الريادة والتاريخ الجميل من العمل الخيري لهذه الجمعية.