عبدالله الغنام

الترجمة تعتبر الجسر بين الحضارات في شتى العلوم والثقافات، حيث لا يمكن أن تتطور الحضارة إلى أبعد مدى بدون تلاقح وبناء الأفكار بعضها فوق بعض حتى تتقدم في العلوم والتقنية، وإن لم تفعل ذلك فسوف تدخل في دوامة (Reinvent the Wheel ) البدء من الصفر في كل العلوم!

والفكرة في الغالب تبدأ كومضة في عقل الإنسان، ثم يصيغها على شكل قانون أو يبرهنها نظريا أو عن طريق التجربة، وبعد ذلك يأتي الذين من بعدهم سواء أفرادا أو جماعات، وقد يكونون من حضارة أخرى أو مجتمع آخر فيطورونها وينقلونها إلى مرحلة متقدمة. وقد قال نيوتن: إنما أبصرت بعيدا لأني كنت أقف على أكتاف العلماء! أي على سبيل المثال قانون الجاذبية لم يكن بدايته من نيوتن، بل كان قبله إسهامات وتجارب غاليليو الإيطالي (ونيوتن إنجليزي) وقبلهما تحدث العرب عنها واليونانيون في كتبهم ونقولاتهم. وهكذا هي معظم النظريات والابتكارات والاختراعات تكون سلسلة من الجهود المتتابعة، وهي تنتقل عن طريق الكتب والترجمة من جيل إلى جيل، ومن بلد إلى بلد، ومن حضارة إلى أخرى. وأما عن سبب حديثنا عن (الترجمة)، فهو لأن يوم (30) من سبتمبر هو «اليوم الدولي للترجمة».

وإليك مثال آخر يدل على أهمية الترجمة في نمو العلم وتطوره، فأبناء موسى (أحمد، محمد، وحسن بن موسى بن شاكر) ألفوا كتابا يسمى «الحيل» والمقصود به علم (الميكانيكا) في القرن الثالث الهجري، وكان يحتوي على وصف لمائة (100) من الأجهزة وكيفية استعمالها مع الرسوم التوضيحية من أمثلة (أجهزة ذاتية التشغيل، وذراع التدوير غير اليدوية، والأجهزة الهيدروليكية). وقد نقلوا وتأثروا بعدة أعمال منها إغريقية وصينية وفارسية وهندية، ولكنهم أضافوا وطوروا الكثير من الاختراعات والآلات، فهم لم يكتفوا بالنقل والترجمة فقط. وقد انتقل كتابهم وأفكارهم إلى أوروبا، الذين بدورهم قاموا بترجمة العديد من الكتب العربية، وبنوا عليها باقي الأعمال والنظريات والتجارب. وهذا يؤكد أهمية الترجمة في بناء سلسلة العلوم وربطها ببعض، ومن ثم تطورها إلى ما هي عليه اليوم، حيث بلغت العلوم والتقنية أوج توهجها. ولعل المستقبل يخفي الكثير من التطور المذهل، وما أوتينا من العلم إلا قليلا!

والشيء بشيء يذكر، فقد كان هؤلاء (بنو موسى) يعملون في «دار الحكمة» أو «خزائن الحكمة»، التي أسست في زمن الخليفة هارون الرشيد، ولكن الذي اهتم بها أكثر هو ابنه المأمون، حيث جلب الكثير من الكتب والمؤلفات (الرومانية واليونانية والفارسية والهندية)، وكانت الترجمة تعيش عهدها الذهبي. واهتم أيضا بالمترجمين والكتّاب في مختلف المجالات (الطب والنجوم والفلك والهندسة والآداب والفلسفة). وكان الكتّاب والمترجمون في زمن المأمون يحصلون على رواتب مرتفعة وعطايا وهبات، خصوصا أولئك المهرة منهم.

وعلى وجه العموم، فالترجمة لها فوائدها الجمة، منها نقل العلم والمعلومات بين الحضارات والأمم. ومنها معرفة أدب الشعوب وثقافتهم وفنونهم. وهي كذلك أداة للتواصل بين الشعوب المختلفة. وأما من المشاكل التي تواجه الترجمة فهي اختلاف المرادفات والمعاني. ومنها اختلاف الثقافات والقواعد اللغوية. وأيضا قد يكون هناك لفظ معين غير موجود في لغة أخرى، فنضطر إلى صياغة اشتقاق له أو تعربيه. ومن الملاحظ أننا سنجد الكثير من تلك الكلمات المعربة، خصوصا في العلوم والتقنية أما لسهولتها أو لأنها أصبحت دراجة على اللسان.

وأعتقد أن وسائل التقنية الحديثة ساهمت كثيرا في سرعة الترجمة، خصوصا الترجمة المباشرة والفورية للنصوص لمختلف اللغات. ولعل الذكاء الصناعي سيساهم وبشدة في الترجمة لكل لغات العالم، بل حتى اللهجات المحلية. وهو باب واسع يُفتح على مصراعيه للمواهب والمبدعين في الترجمة لاستخدام البرامج والتطبيقات.

الترجمة للكتب والعلوم هي مزج للعقول والحضارات.

abdullaghannam@