د. شلاش الضبعان

ذكر أبو جعفر الطبري في تاريخه المسمى تاريخ الأمم والملوك أن: ابن السماك -الذي وصفه الذهبي بأنه الشيخ الإمام المحدّث المكثر الصادق، مسند العراق- دخل على الخليفة العباسي هارون الرشيد يوما، فبينما هو عنده إذ استسقى الرشيد ماء، فأتى بقلة من ماء، فلما أهوى بها إلى فيه ليشربها، قَالَ له ابن السماك: على رسلك يا أمير المؤمنين، بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لو منعت هذه الشربة فبكم كنت تشتريها؟، قال: بنصف ملكي، قال: اشرب هنأك الله، فلما شربها، قَالَ له: أسألك بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لو منعت خروجها من بدنك، فبماذا كنت تشتريها؟ قَالَ: بجميع ملكي، قَالَ ابن السماك: إن ملكا قيمته شربة ماء، لجدير ألا ينافس فيه فبكى هارون.

ليت المتهالكين على المناصب حتى نصبوا الأحابيل لغيرهم، ووقعوا في الإضرار بزملائهم خوفا منهم على مناصبهم، وورطوا أنفسهم في دائرة الفساد القاتلة يعلقون مثل هذه القصة في مكاتبهم.

وليت من قاطع إخوانه وعائلته من أجل خلاف على مبلغ مالي يعيد النظر في قراره فمهما كانت أرقام هذا المبلغ لن تكون جديرةً أن يُنافس فيها.

وليت من أضاع عمره في الحديث عن رصيد فلان، وسيارة علان، وتمني مكانة فلان يعيد النظر في تحديد أولوياته، ويبحث عن النجاح الحقيقي الباقي، ولا يستبدله بالانشغال في متابعة أمور زائلة، وقد يكون مالكها قد فقد ما هو أهم.

نحتاج إلى حمد الله على ما تفضل به علينا وما أكثر أفضال الله، «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها»، ونحتاج إلى القناعة، فهي كنزٌ لا يفنى، ولا تعني قتل الطموح وتثبيط الهمم، ولكنها تعني تقنين الطموح، ووضعه على الطريق الصحيح، فما ليس لك لن يكون لك مهما بذلت، وإذا أردت الوصول إلى النجاح الذي تسعى إليه فعليك أن تسلك الطريق، وما تحقق فهو وسيلة للأهداف الأسمى، وما لم يتحقق فقد صرفه الله عنك لحكمة، وما يختاره الله لك هو الخيرة دائما.

لا تخسر من تحب من أجل دنيا ستزول عنكما، أو تزولان عنها.

@shlash2020