د. عبدالوهاب القحطاني

عرض برنامج أوبرا وينفري الشهير لقاء مع كريس قاردنر في 2007م، ذلك الرجل الذي عاش مع ابنه زمنا طويلا بلا مأوى ولا طعام، حيث افترش أرصفة شوارع سان فرانسيسكو. عندما رأيت المقابلة مع كريس وابنه عادت بي الذاكرة إلى 1982م عندما كنت سائحا مع بعض زملائي في البعثة في مدينة سان فرانسيسكو خلال سنوات الدراسة في لوس أنجلوس. تذكرت رجلا أسود وبجانبه طفل صغير، حيث مد يده لطلب المساعدة لشراء وجبة غداء له ولطفله من مطعم مكدونالدز الذي يقع على الشارع الذي يقضيان فيه وقتا لطلب المساعدة من المارة، حيث قدمت لهما المساعدة وكانت ردة فعله بصوت ضعيف منهك «فليحفظك الرب». لقد كانت ملامحه واضحة في اللقاء ولم تتغير تقاطيع وجهه كثيرا. لقد سألته عن أحواله وأسباب تشرده والنوم في الشارع للتأكد من أن مساعدتي له ليست لشراء المخدرات، حيث كانت الدقائق التي تحدثت معه كافية لمعرفة أنه ليس من متعاطي المخدرات. تحدث كريس عن مدينتي ويسكنسون وشيكاغو وشوقه للعودة إليهما بالرغم من طفولته الحزينة التي عاشها مشردا هناك.

أكد اللقاء مع أوبرا أن كريس هو ذلك الشخص الذي افترش شوارع سان فرانسيسكو لفقره. الحقيقة أن سميث ويلس وابنه أجادا أداء دور المشردين كريس وابنه كريستوفر في الفيلم المنقول عن كتاب أنجزه كريس والذي يحكي قصة حياتهما في شوارع سان فرانسيسكو وغيرها من المدن الأمريكية بعدما سرد حياتهما بشكل مثير يجعل القارئ يعيش كل لحظة في حياتهما من خلال الفيلم المثير.

كريس قاردنر معروف ومشهور في الولايات المتحدة وأوروبا لأنه عاش حياة فقيرة صعبة تحول بعدها إلى رجل أعمال ناجح وثري ومميز بالرغم من فقره الشديد إلى درجة أنه وابنه كانا لا يجدان الطعام لأيام. لقد عاش مشردا من غير منزل يؤويه أو سقف يقيه من الشتاء والصيف. قضى قسطا من حياته مع ابنه كريستوفر الصغير الذي تملأ وجهه البراءة والفقر والجوع والخوف من كل شيء.

لم أتوقع يوما أن كريس سيصبح من أنجح وأغنى الناس في العالم، لكن وفقه الله بفرصة عمل لم تتح لغيره، فقد أصبح بعدها معتمدا على مهاراته ليدخل استثمارا أحبه وأخلص العمل فيه ليدر عليه المال الذي جعله من الأثرياء المميزين في العالم. لم يكن كريس أنانيا، بل بذل الكثير من ماله في الأعمال الخيرية، حيث ساعد الكثير من الطلاب والطالبات الأمريكيين من أصول عرقية أفريقية للتعلم والعمل. الحقيقة أن الفيلم الذي مثله سميث ويلس وابنه يحكي قصة حياة كريس وابنه كريستوفر بدقة وشمولية ليؤكد لنا كريس أن الإنسان يستطيع أن يكون ما يأمل أن يكون عندما تتوافر فيه الدوافع الشخصية الداخلية القوية مدفوعة بالأمل مهما كان فقره والظروف الصعبة التي يمر بها.

تحدث كريس عن حياته السابقة والحاضرة بفخر من غير شعور بالانكسار والضعف لأن الأمل والطموح يحفزان الإنسان ليحقق ذاته ويغير حياته إلى الأفضل ومن الفقر إلى الغنى ومن الحزن والأسى إلى السعادة والفخر بما حققه. كان شعوره حقيقيا نحو الذين ساعدهم بالرغم من أنه لا يعرفهم ولا تربطه بهم علاقة أسرية أو صداقة.

@dr_abdulwahhab