د. شلاش الضبعان

كتب ابن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ): حاصر السلطان محمد بن محمود بغداد، ودار القتال على باب البلد فأمر الخليفة المقتفي، فنودي في بغداد: كل مَنْ جرح في القتال فله خمسة دنانير، فكان كلما جُرح إنسان يُحضر عند الوزير فيعطيه خمسة دنانير، فاتفق أن بعض العامة جُرح جرحاً ليس بكبير، فحضر يطلب الدنانير، فقال له الوزير: ليس هذا الجرح بشيء، فعاود القتال، فَضُرِبَ، فانشق جوفه وخرج شيء من شحمه، فَحُمِل إلى الوزير، فقال: يا مولانا الوزير أيرضيك هذا؟ فضحك منه وأضعف له.

لا أعتقد أن أمثال هذا، الذي كاد أن يقتل نفسه من أجل خمسة دنانير قد انقرضوا، بل قد يكونون في تزايد، حيث أصبح المال لدى البعض أولوية يضحي من أجله بكرامته ودينه وسمعته، والقريب والبعيد، ويرضى من أجله بلقب فاسد، وما إعلانات هيئة مكافحة الفساد إلا شواهد تتابع علينا يومياً عن سيطرة المال على البعض حتى يصيبهم بالعمى.

المال مهم، وتحقيقه مع القيام بحقوقه نجاح، ولكن يجب أن ندرك أنه ليس الأولوية الوحيدة في هذه الحياة، ولا يجب أن تمارس الضغوط، ويوجه التشنيع لمَنْ لم ينجح في جمعه، فالنجاح في هذه الحياة ليس مربوطاً بالحساب البنكي، فكم من مستور الحال ناجح، وكم من غني غباؤه بعدد أصفار حسابه، ولذلك يجب أن نظهر الأولويات الأخرى ونعظّمها في نفوس أبنائنا بدل إظهار المال والمال فقط، وإدخال الزوج أو الابن في مقارنات مع الآخرين على أساس المال.

النجاح الاجتماعي نجاح، فكم من كريم محبوب ومؤثر وهو لا يملك الكثير، والنجاح الوظيفي نجاح، والنجاح الأسري نجاح، والنجاح العلمي نجاح، فكم قدم للبشرية وأبقوا ذكرهم علماء وأدباء ماتوا فقراء والأغنياء الذين في زمنهم كثير، والنجاح الأخروي هو أهم النجاحات.

خطورة تضخيم دور المال في الحياة، وكيف تحجز مكانك في نادي الأثرياء؟ وكيف تربح المليون في أسبوع؟ هي خطورة كبيرة على الفرد والمجتمع، فالفرد بسبب البحث عن الثراء يعيش في قلق ومقارنات متعبة وإحباط، وقد يقع فيما لا تُحمد عقباه، والخطورة على المجتمع عندما يؤدي التفاضل على أساس الحساب البنكي إلى تقديم الفاسدين وتأخير مَنْ يخدمون أوطانهم حقيقة.

@shlash2020