وليد الأحمد

ما أصعب أن تكتب مقالًا في رثاء صديق، بعد ساعات من تلقي خبر وفاته. ليس فقط لأن مشاعر الفقد والحزن تسيطر عليك، ولكن لأنك تخشى أن تقصّر في وصف فارس له من كل فضل راية، وعند كل باب خير له سبق، بحجم الصحافي والأكاديمي والمثقف والدبلوماسي الدكتور ناصر البراق.

ورغم أن الراحل كان زاهدًا في الضوء طوال رحلته القصيرة في دنيانا، فإن إسهاماته الثقافية والإعلامية التي أنجزها لوطنه ومجتمعه في المواقع الوظيفية الرفيعة التي تقلّدها ستبقى شاهدة على مسيرته العطرة، وتُضاف إلى مناقبه المشهودة في الشهامة والمروءة ومساعدة الناس ونُصرة المحتاج وأعمال البر.

رئيس قسم الصحافة والإعلام في كلية الإعلام والاتصال، كان آخر منصب تقلّده ناصر بن نافع البراق، حيث نثر معرفته النافعة وخبرته الصحافية لمئات الطلاب والطالبات، لكنه قبلها سجّل نجاحًا لافتًا في الأوساط الثقافية خلال عمله الدبلوماسي كملحق ثقافي في كل من السودان والمغرب. إذ انعكست شخصيته التي تفيض بالتفاؤل والبهجة على نشاطه الثقافي، ويشهد له مثقفون سعوديون بأنه بنى جسرًا من الفعاليات النابضة بالحياة الثقافية والندوات التي حوَّلت الملحقية لأيقونة فرح، رغم تحديات المكان في الخرطوم، كما ترك أثرًا لا يُنسى في ملحقية المغرب، حيث كان شعلة نشاط توَّجها بإنشاء مكتبة ثقافية كبيرة عن السعودية، وبتأسيس صالونٍ ثقافيٍ عامرٍ بالمعرفة في الملحقية، فضلًا عن نجاحه في كسب ثقة النخب المغربية لاختيار السعودية ضيف شرف لمعرض الدار البيضاء للكتاب عام 2012 -2013 على حساب الصين وتركيا المرشحتين حينها.

وقبل هاتين التجربتين، سواء كصحافي في الحياة أو كموظف في النشر بوزارة الإعلام، عرفناه مهنيًا جادًا ومسكونًا بهموم المجتمع والثقافة، كما ظلت تجربته الدراسية في بريطانيا مرجعًا للمبتعثين السعوديين، وأنا أحدهم مع انطلاق برنامج الابتعاث في 2005.

البراق ابن الأماجد الأصيل كان يهزه القليل من المروءات، كما يصفه رفيق مشواره الصحافي مصطفى الأنصاري، فلو أهديت إليه أبسط المعروف كأن تدقق له مقالة، فإن وقْعها عليها يشبه جميلًا قيمته الآلاف، بل ويجاهد لأن يرده إليك بأجمل الأساليب. وفي كرمه وشهامته يروي الأنصاري أنه قّدم لصديق مساعدة مالية في ثياب هدية، حين أرسل له مبلغًا محترمًا لشراء كتب لا تساوي قيمتها عُشر المبلغ المرسل، فقط لأنه عرف بحاجة صديقه.

أجاد الصحافي علي مكي في وصفه أثناء محاورته في صحيفة عكاظ: تراه إذا ما جئته متهللًا، كأنك تعطيه الذي أنت سائله، فرحم الله أبا نواف ناصر البراق الذي ترجّل عن رحلة قصيرة في عمرها، وكبيرة في أثرها وإرثها.

woahmed1@