يتصف الوجود الإنساني بأنه انبثاق وصيرورة، فالإمكان هو جوهر الوجود الإنساني، والإنسان هو مشروع نفسه باستمرار، وأن يعيش المرء يعني أن يتولى امتلاك مشروع وجوده الخاص، بأن يكون مشدودا بهدف مستقبلي يملي عليه ما يفعله هنا والآن، وأن يعي ذاته لا بما كانه أو بما عليه فقط، بل بما يمكن أن يكونه، حتى يعلو على ذاته دوما ويتخطاها لأقصى ما تسمح ممكنات وجوده، فلا توجد طبيعة إنسانية موجودة سلفا أو ماهية مسبقة تفرض نفسها على الإنسان وتصبه في قالبها، بل يختلق الإنسان ماهيته عن طريق اختياراته ومقاصده وأفعاله التي يؤديها عن حرية دون أية قاعدة مسبقة ودون ضمانات، فهو ينحت هويته كل لحظة ويصنع تعريفه، كمشروع دائم يظل يتحقق ولا يكتمل إلا بالموت، لكونه كائنا محكوما عليه بالحرية التي يمارسها كل لحظة، وما دام حرا مختارا فهو مسؤول عن وجوده وعما يكون عليه، فالمسؤولية هي توأم الحرية، وهذه المسؤولية ليست وقفا عليه، بل يمتد أثرها ليشمل من حوله، فحين يشكل صورته فهو يسهم في نفس الوقت بتشكيل صورة جماعية للإنسانية، لأنه حين يختار قيمة أو فعلا ما، فإن ما يأتيه يمس من حوله وينعكس عليهم، ولهذا فالمسؤولية باهظة ثقيلة تجعل الكثير منا ينزغ للهروب منها والاستسلام باعتباره مسيرا غير مخير، وضحية قوى بيولوجية وتاريخية واجتماعيه حتمية قاهرة ليس له فيها يد، منجرفا للاندماج في حياة يومية زائفة متشابهة، تجعله يدفن ذاته في مسيرة الحشود، يعمل كما يعملون ويفكر كما يفكرون ويثرثر كما يثرثرون، فيصبح نسخة من كائن بلا اسم هو الناس، ويخسر بذلك فردانيته وأصالته، ويقع في الابتذال والتشتت النفسي، وليست هذه بتاتا دعوة لتمجيد الانعزال الفردي، لأن الوجود الإنساني ليس كهفا ولا قوقعة، لكن المشاركة الحقيقية والانفتاح المتبادل لا يتم إلا بين ذوات حقيقية تعيش وجودا أصيلا، لا مجرد كتل هلامية بلا اسم ولا هوية، تلتئم وتنصهر لمجرد دفع السأم والهروب من الحرية ومواجهة مسؤولية الخيار، مما ينتج نوعا من المعاناة يسمى الفراغ الوجودي، وهو يكشف عن نفسه في الملل بسبب الفراغ الوجودي، والفراغ هنا هو فراغ من المعنى وليس فراغا من المشاغل والملهيات، ومن تمثلات هذا الفراغ الوجودي في العصر الحديث حالة تعرف في الغرب باسم «عصاب يوم الأحد Sunday neurosis»، أي عصاب يوم العطلة الأسبوعية، وهو نوع من الكرب يصيب بعض الأشخاص في العطلة الأسبوعية حينما ينحسر اندفاع الأسبوع المزدحم بالمشاغل لتواجههم حالة من الوعي بما ينقص حياتهم من وجود معنى عميق، فتزداد وطأة الفراغ الداخلي ويتعرضون للانتكاس والتناثر، فالإنسان كائن مرتهن للمعنى يسعى بطبيعته له ويحتاجه، فهو المخطط والإطار الذي يمدنا بنظام هرمي للقيم، والتي بدورها تمدنا ببرنامج عمل نسلك في الحياة وفقا له، فهي لا تخبرنا فقط لماذا نعيش، بل كيف نعيش، ولهذا فمن يجد معنى نبيلا يحيا به، ففي مقدوره أن يتحمل في سبيله كل الصعاب، فللحياة معنى في جميع الظروف، بل حتى في أسوأها، والدافع الأقوى للعيش يكمن في إيجاد معنى شخصي خاص بنا، لأننا نملك الحرية في إيجاد معنى لكل ما نؤديه أو نواجهه، أو على الأقل ذكاء المعنى الذي نتخذه عندما نكون في موقف من المعاناة غير القابل للتغيير، وهذا هو جوهر الإنسان الأثمن.
@LamaAlghalayini
@LamaAlghalayini