سعود القصيبي

تحدثت في مقالين سابقين عن تاريخ المال ملخصا إياه لحين اتخذ العالم الأوراق النقدية كأساس للتعاملات المالية مقوما إياه بالنهاية بالمعادن الثمينة. ومما لا شك فيه أن الحروب والسعي لها والذهاب إلى أقطار العالم المختلفة من قبل الدول الأوروبية في ملخصها أتت سعيا لتمكن من توسع اقتصادات تلك البلدان. فكلما زادت كميات الذهب والفضة في خزائن تلك الدول زاد اقتصادها ورفاهية مواطنيها ومكن من مشاريع تنموية سواء بطبع ورق كمقابل أو تداول معدن. ويعني ذلك أن الغزو والحروب مصيرها الاستمرار كلما أريد زيادة الانفاق أيا كان نمطه.

كما أن التاريخ يعيد نفسه فالدول الأوروبية تستمد تاريخها من الإمبراطورية الرومانية التي بدورها توسعت وضمت عددا كبيرا من شعوب العالم القديم. ولم يكن الرومان غزاة بالمعنى إنما أتوا بظنهم ليعلموا الناس الحضارة والرقي رغم سعيهم بذات الوقت وراء ثراء ومجد إمبراطوريتهم، إلى أن تمكنوا بالنهاية من احتلال أغلب العالم القديم المعروف حينها وأسدلوا ثقافتهم وطرق معيشتهم عليها بفرض السلاح معتبرين ما دون ذلك همجيا ووحشيا وبربريا لا يستحق الحياة.

إلا أن توسع الرومان ما كان ليأتي دون توافر النحاس والفضة والذهب من المناجم لأنه كان أساس الوقود المغذي لآلة الحرب والبناء الرومانية. وما أن توقف ذاك المد إلا وأنهارت تلك الإمبراطورية شيئا فشيئا وتحولت إلى دويلات برغم محاولتها في نهايتها إطالة أمدها بتحول دولتهم من العقائد اليونانية إلى النصرانية بعد أن انتشرت أملا في تعويض شح تلك الأموال بالشحن العقيدي لقبول الواقع.

وبرغم محاولات بعض زعماء تلك الدويلات الأوروبية والتي أتت إثر انهيار الإمبراطورية لتوسع دائرة مصادر الأموال بضم أجزاء أكبر لممالكهم مستغلين بذلك العقيدة النصرانية كما في فرنسا وشارلمان من بنائه كاتدرائية منافسة للفاتيكان لتكون أوروبا تحت لوائه. أو كمثال من استغلال آخر للعقيدة النصرانية بشن حروب صليبية على المناطق العربية تغذى بالشحن الديني من الوعود بالخلاص الأبدي والجنان. وما تخليهم عن دعمهم للجيوش الصليبية في فلسطين ولبنان والشام إلا بسبب أن المشروع بحد ذاته ليس ذا جدوى اقتصاديه بسبب فقر تلك المناطق المحتلة من المعادن الثمينة ومن توفر مصادر بديلة.

فبدأ في أنحاء القارة الأوروبية كوسيلة للدخل وهي أول استخدام للضريبة المضافة وهي في أصلها امتداد لزكاة الثمار والحبوب الإسلامية والتي عرفت من خلال الحروب الصليبية. وهي الوسيلة الوحيدة المتاحة حينها دون الغزو للأنفاق على تلك الدويلات المختلفة إلا أنها شملت جميع أنماط البيوع. وربما من شاهد بعض الأفلام بخصوص الشخصية الروائية روبن هود ليعي أحداث تلك الحقبة الزمنية في إنجلترا على سبيل المثال.

إلا أنه ومنذ مطلع القرن الخامس عشر تطور وتغير النمط والتوجه، فنحن أمام توسع الثقافة الأوروبية باستخدام العلوم ونتاج الحضارة العربية، ومن جيوش مدربة وسلاح أكثر تطورا وجنود تمرسوا بالبحر والبر وأساليب القتال الحديث في زمنهم ومن أسباب تلك الحروب الصليبية، وكان دافعهم الأساس توسع اقتصادهم لتوفير الوقود له وهو الذهب والفضة وسلاحهم الأساس الشحن النفسي لمواطنيهم من بذل الغالي والنفيس من أجل العقيدة النصرانية ونشرها. وكما في الإمبراطورية الرومانية غيرهم همج وبرابرة وأضيف أنهم كفار أيضا. وكان الاتجاه الجديد هو من خلال الاكتشاف البحري وعبر المراكب بعد أن تطورت تقنياته في فترة الحروب الصليبية.

ومنذ اكتشاف الأمريكتين بثرواتها الطائلة وطرق الملاحة إلى آسيا بدأ عصر جديد من التسابق البحري نحو أقطار مختلفة من العالم وبقوة السلاح محملين ثروات تلك المناطق إلى القارة الأوروبية. وقد سماها البعض استعمارا بسبب أغلفتها الثقافية والإدارية ومن ستارها الديني أو حتى من قناعها السياسي. وما هي في طبيعتها إلا فصل تاريخي جديد بذات المسرحية من السعي لإيجاد مصادر للثروات كوقود لتلك الدول الأوروبية المنابت، الرومانية الحضارة والتاريخ..... والموضوع يتبع..

@SaudAlgosaibi