لمى الغلاييني

إن الغضب الجماعي نحو التهديدات، التي تواجه كوكبنا قد يعد مقبولا حين يحفزنا للحفاظ على مساحاتنا وثرواتنا الطبيعية، ويصبح الأمر خطرا حين نسمح له بالتوجه بشكل سلبي نحو الداخل ليتحول لإحباط ويأس ثقيل، وإذا تركناه يندفع بشكل عشوائي وعنيف نحو الخارج فقد يدمر الكثير، ولهذا يصبح التدرب على تغيير طريقتنا في مواجهة الغضب هو الحل الأمثل والأهم للتخلص من كل شرور هذا العالم الشخصية والاجتماعية، فعندما تتم إدارة الغضب بشكل جيد سيتحول لقوة إيجابية محفزة، يمكننا استخدامها كمصدر طاقة للقيام بالفعل البناء الشجاع، الذي يجب أن نقوم به إذا أردنا لمجتمعنا المزيد من الاستقرار والسلام، وأن نحافظ على كوكبنا لقرون عديدة، لكن الاستمرار في التنفيس عن مشاعرنا الغاضبة بأدوات خاطئة سيضعنا أمام تهديد خطر انفجار ثورة الغضب المدمرة، وجميعنا يختبر هذا الشعور بدرجة أو بأخرى على فترات في حياتنا، حيث يقابلنا جوهر الحياة باستمرار بمثيرات تتطلب استجابات غاضبة منذ أن نخرج من عنق الرحم الضيق المؤلم، حتى يهن العظم وتسلبنا الأيام صحتنا وقوتنا، ولا تظهر أعراض الغضب في عواطفنا فقط، بل في أجسادنا وعقولنا وسلوكنا، واللافت في الأمر هو اختلاف حدة استجاباتنا للآلام والإحباطات والتحديات، فقد تجد شخصا يغضب لأتفه المواقف لكنه استطاع التعامل بهدوء مع كارثة كبرى، أو ربما تعرف صديقا يستشيط غضبا إذا عرف أنك استعرت منه كتابا أو معطفا دون إذنه، لكنه يظل هادئا مستجمعا قواه أمام اعتداءات أكبر على حقوقه، وأنت نفسك قد تتعامل مع خسارة مفاجئة بهدوء أكثر من أحداث أخرى أقل أهمية، مما يجعلنا نتفهم بأن ميكانيكية الغضب هي عملية معقدة ومتداخلة العوامل حسب مضمون الوعي واللاوعي لكل شخص، والاستجابة الفردية، التي تعلمها للسيطرة على انفعالاته، مما يجعلنا نستنتج بأن رحلة الغضب منذ لحظة انبثاق المثير حتى الاستجابة هي عملية متشابكة للغاية، لكنها تستحق معاناة الدراسة والاكتشاف بحيث نتعرف على مرشحاتنا الذاتية، التي تعكس استجاباتنا، لأن ذلك هو الخطوة الأولى لامتلاك قدرة أكبر للسيطرة على الغضب، فحين يخرج الغضب عن سيطرتك سيصبح المتحكم بك، مما يجعلك في حاجة سريعة للتدرب على علاقة جديدة مع عواطفك تجعلك قائدا لها وليس أسيرا عندها، وإن حالة الاستثارة العالية، التي ينتجها الغضب تحدث ضغطا كبيرا على أجسامنا، ويجب أن نتذكر أن هذه الحالة وجدت لتكون مؤقتة، لكن استمرار حالة التوتر الطارئة لفترة طويلة يعرض الجسم للخطر، وهناك عدد كبير من الأبحاث، التي أثبتت وجود علاقة بين قدرتنا على السيطرة على انفعالاتنا وجودة صحتنا، وتؤكد الدراسات أن الإصابات الخطيرة تحدث حين يستمر الجسم في حالة توتر شديد لفترات طويلة، ونحن نسمع الناس دوما يلقون باللوم على حالاتهم الجسمانية حين ينفعلون ويفقدون أعصابهم، ويلجأون للمبررات بقولهم: «إنه الحمل»، «إنه الصيام»، «إنه الحر»، «إنه الجوع»، لكن هناك بالطبع مَنْ هم نفس الظروف ولا يستجيبون بتلك الحدة، لأن حالاتنا الصحية أو البيئية جزء واحد من أجزاء تفسيرنا لحالة الغضب وإدارتنا له، ولا يجب أن نلقي اللوم على تلك الظروف حين نغضب، بل نبدأ رحلة التدرب على الاستكشاف الذاتي للمثيرات والتعامل معها بحكمة.

LamaAlghalayini@