حسين الحمود

(رغد) فتاة في السابعة من عمرها، تعيش حياتها كبنات جيلها، فحياتها كلها تتم عبر الواقع الافتراضي من خلال الأجهزة المحمولة، فألعابها المحملة (من المفترض) أن تتناسب مع عمرها ومفاهيمها وبيئة تربيتها، والدها دائما ما يقول: ابنتي أفضل مني في التقنية، فهي التي أتعلم منها الجديد في استخدام التطبيقات ويردد (جيل الله يكفينا شره).

ابنتنا اللطيفة وقعت عيناها على لعبة تدعى (اورلوكس - اسم استعرته) تمارس من خلالها حياتها الخاصة، وتلعب مع جاراتها و(جيرانها) بكل أدب ولطف، فهي تبني شخصيتها وتشتري الملابس، وتذهب إلى الأسواق، وتجلس مع اللاعبين على طاولة طعام واحدة، يلعبون كمجموعات أو فرادى، ويقومون بالألعاب الحركية (وكل هذا افتراضيا).

وبواقع الحال، فإن أبا (رغد) مبسوط من ابنته، التي لا تزعجه ووالدتها، حيث إن مساحة الحرية، التي سمحتها هذه الألعاب لهما تساوي في نظره أيام بدايات الزواج والحياة الهادئة (بدون أولاد)، ومع مرور الأيام أصبح عمر رغد تسع سنين، فكان من ضمن هدايا والدها لها بطاقة شحن للعبتها المفضلة بقيمة 500 ريال، وهذه أعلى فئة من بطاقات الشحن لهذه اللعبة، فأخذتها الصغيرة فرحة لتبشر أصدقاءها اللاعبين بالشكل الجديد، الذي ستظهر به قريبا على لعبتهم الافتراضية.

أصبح تفكير صغيرتنا في البحث عن أسرار اللعبة أكثر فأكثر، فأدمنت مشاهدة برامج كاشفي الأسرار على مواقع صناعة محتوى الفيديو، وتمر الليالي والأيام و(رغد) تغوص أكثر في أسرار تلك اللعبة، حتى اصطادت فريستها الكاشفة في فيديو مدته تتجاوز الساعة، تتحدث فيها صانعة الفيديو عن أسرار للتو تم اكتشافها لتلك اللعبة، لم تقاوم صغيرتنا النوم، فخلدت إلى منامها بعد أن شاهدت نصف الحلقة.

في صباح اليوم التالي، الذي يصادف إجازة نهاية الأسبوع، أكملت الحلقة وقبل نهايتها، أسرت صاحبة الفيديو بأنها تريد أن تصبح (أمورة البابا) لكي تستطيع أن تحصل على أموال أكثر لتطور من نفسها في لعبتها... (أمورة البابا) مصطلح كبير جدا على فتاة في عمرها، بل كبير على مَنْ تجاوز الثامنة عشرة من العمر، وكبره ليس في معناه المخل بالآداب، بل هو نسف للإنسانية وللأخلاق الحميدة.

بعدها أصبح تفكير(رغد) في أن تكون كما سمعت، تملك المال الوفير لتستطيع الصعود بالشهرة في هذه اللعبة... وأبوها مازال يعيش (رغد) الأيام الخوالي، متناسيا أن هناك مَنْ يستطيع أن يحل محله في التعليم والتربية (الجهاز المحمول).

هل سنقف عند قصة (رغد) ونتماهى في التفكير باتخاذ قرار عاجل؟ هل سنكابر ونقول إن جيلهم يختلف عن جيلنا؟ هل نملك الوعي الكافي لنحمي أبناءنا وبناتنا من المجهول؟ لا أعلم... فالجواب لدى كل واحد منا في قرارة نفسه!... ومَنْ لم يعرف معنى (أمورة البابا) فليبحث عن معنى (sugar daddy) باللغة الإنجليزية ليعلم إلى أين يمكن أن يصل الحال بأبنائه.

@hkhamoud