وليد الأحمد

على المؤسسات الصحافية أن تؤمن بحاجتها إلى التغيير والتطوير الشامل في الاستراتيجية، والرؤية ونمط الأعمال، ومهارات الصحافيين، ولعل أول جوانب التغيير تتحمله مجالس الإدارة بأن تؤمن بقضيتها العادلة ضد من ينتهك الملكية الفكرية للمحتوى الإخباري للصحف، وأنها بحاجة إلى المطالب بسن تشريعات، تكفل لها موارد مالية وتحفظ حقوقها ضد انتهاكات مواقع التواصل وشركات التقنية والتطبيقات «المجمعة» Aggregators التي تسطو على الأخبار والمقالات من الصحف مجاناً وترسلها «عاجل» للمشتركين.

قد تبدو فكرة مقاضاة شركة عالمية مهيمنة على السوق غير مأمونة النتائج والعواقب، لكن المقاضاة لا تعني العداء، بل هي سلوك حضاري لإنهاء الخلاف على موضوع معين، وربما مواصلة الشراكة في مواضيع أخرى. ولنا في حكايات الاتحاد الأوروبي مع قوقل خير مثال.

ففي الأسبوع الماضي أعطى الاتحاد الأوروبي موافقة مشروطة على صفقة استحواذ قوقل على شركة «فيتبت» Fitbit المتخصصة في أنتاج أساور تتبع اللياقة البدنية، مقابل 2.1 مليار دولار، وهو ذات الاتحاد الذي أمضى نحو عقد كامل في ملاحقة قوقل بالمحاكم في قضايا لمكافحة الاحتكار وانتهت بتغريم الأخيرة بعشرة مليارات دولار.

وفي بلجيكا التي رويت جزءا من معركة صحفها مع قوقل في مقال سابق، وصل الخلاف ذروته حين قررت قوقل عام 2006 حجب الوصول إلى الصحف البلجيكية عبر محرك البحث الشهير، وبرز سؤال كم فقدت الصحف الإلكترونية والمواقع التابعة للصحف المطبوعة من زوارها بعد هذا الحجب؟، تجيب مجلة «الصحافي» De Journalist البلجيكية نقلاً عن ناشرين تراجعاً بنسبة تتراوح ما بين 20 إلى 30 %، وهو أمر ليس كارثيا «بحسب وصفهم».

وبمنتصف 2011 انتهى الصراع القضائي بصدور حكم غير قابل للطعن بإدانة قوقل بانتهاك الملكية الفكرية لمحتوى الصحف الصادر وفي نهاية 2012 عاد الطرفان للاتفاق على أن تدفع قوقل للصحف تعويضات عن فترة التقاضي، شملت كل ما دفعته الصحف خلال تلك الفترة بجانب جميع مصاريف التقاضي وأتعاب المحامين.

ونص الاتفاق على أن تمنح الصحف لقوقل مساحات على مواقعها الإلكترونية لتضع عليها إعلانات، مع إلزام قوقل بنسب تصاعدية للصحف، كما نص الاتفاق على أن تترك قوقل للصحف البلجيكية خيار الرفض أو الموافقة على إدراج أخبارها في خدمة قوقل الإخبارية باشتراك سنوي أو بمقابل تتفق فيه مع كل صحيفة. التزمت قوقل أيضاً بالترويج للصحف وجذب المزيد من الزوار لمواقعها، بإظهار مواقع الصحف أو بعض أخبارها ضمن الاقتراحات للمتصفحين.

في العام 2015 رجعت قوقل للمحاكم البلجيكية حين بدأت معركتها مع الاتحاد الأوروبي ككل حول سياسة خصوصية المستخدمين، وهذا طبعاً موضوع آخر خسرته قوقل.

حفظ حقوق الملكية الفكرية للمحتوى الإخباري تبدو قضية عادلة بدون محامٍ. لن تكون مصباح علاء الدين لمشاكل المؤسسات الصحافية، لكنها حتماً أحد مسارات الحل إذا ما أرادات الصحف أن تواصل البقاء وإحداث التحول المنشود للإعلام في العصر الرقمي.

woahmed1@