أحمد عبدالرحمن سنكي

لو أخبرتك قبل عام، وفي حديث عابر ونحن نقطع طريقنا نحو المقهى أننا بعد أشهر لن نلتقي مرة أخرى، وأننا سنصبح حبيسي منازلنا، وأنا وأنت لن نستطيع زيارة الأصدقاء أو الأقارب، أن المطاعم والمقاهي ستغلق أبوابها، المدارس والجامعات ستغلق صفوفها وقاعاتها، وستعلّق الرحلات وتُقفل المطارات، حدودنا البرية والجوية ستغلق، أن الكمامات ستصبح لصيقة لوجوهنا، وأن مجرد نزعها سيكون مخالفة يعاقب عليها القانون، وقد تصل للغرامات لو لم تلتزم بكل هذه القيود.

بالتأكيد أنك لن تصدق، بل وقد تتهمني بالجنون والهرطقة، وقد أعكّر مزاجك ذلك المساء؛ مما قد يحتّم عليك إلغاء فكرة فنجان القهوة الذي جمعنا ذلك المساء.

وها نحن اليوم، وقد مرّت الأيام والأسابيع بل الشهور، ونحن نعيش هذه المأساة بكل ظروفها وأيامها الثقال. اكتشفنا أننا استطعنا وبأعجوبة أن نساير هذه الجائحة، ونتعايش معها متهكّمين مرة، ومتشائمين مرات أخرى، ظانّين أنها مجرد زوبعة في فنجان، أسبوع أو أسبوعان وتنجلي، إلّا أننا اكتشفنا أن الأمر أكبر بكثير مما توقعنا أو تخيّلنا، حتى دعت الحاجة الملحّة للمغامرة والعودة للحياة مرة أخرى.

عاد المعلم لطلابه، وعاد المهندس لرسوماته، والكاتب لصحيفته، وأمسك العازف بقيثارته مرة أخرى، بل وحتى صاحبنا المتهكّم والمتشائم الآخر عادَا.

هي الحياة رحى دائرة، وأيام تمرّ، ولا نملك سوى أن نقبل بلياليها وصروفها، هي ماضية بحلوها ومرّها، وما خُلقنا نختلق الأعذار فالحياة عقيدة وجهاد. امضِ في طريقك، وجاهد ما استطعت للحياة سبيلًا، واجعل من هذه الأيام عبرة تُحكى للأبناء والأحفاد ومَن يليهم.

وتستمر الحياة!

@A_SINKY