سكينة المشيخص

لماذا تفسد الدولة العقدية؟ ولماذا ينتكس الأداء السياسي والاقتصادي لكل دولة تتخذ منهجا عقديا في إدارة الدولة وممارسة الحكم؟ تلك ولا شك أسئلة تقريرية تضعنا أمام خارطة سياسية منذ الاتحاد السوفيتي والأمم التي اكتوت بالممارسات الأيدولوجية في السلطة، ولم تكن على الإطلاق هي التجارب المثلى التي يمكن أن تمكون نموذجا أو ملهمة وإنما مثّلت ما يشبه الهروب إلى الأمام من إحساس مزمن بالتفاهة السياسية يطارد كل تلك الأنظمة التي تأتي من قاع أيدولوجي، غالبا متطرف، ويصطدم بمطلوبات سياسية على أرض الواقع لم يتم وضعها في الحسبان فتكون النتيجة انهيارا لهذه الدولة أو تلك.

تجربة الاتحاد السوفيتي انتهت إلى طريق يمنحها الأكسجين عبر الجلاسنوست في وقت كانت الأيدولوجية تلاحق كل سوفيتي وتطارده حتى في منامه، وفي الخاتمة لم يحصل الشعب على أقل القليل من حقه في هذه الحياة، وإلى جوار ذلك انتهت الصين وانتبهت مبكرا لخطورة العمق الأيدولوجي في أن يعيش الصينيون حياتهم ويحققوا مستوى مناسب من الرفاهية، وقد ذكر الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون في كتابه «نصر بلا حرب» أنه قال للزعيم الصيني ماو «إنه في وقت من الأوقات قد تجد الأمم العظيمة نفسها بين خيار البقاء على قيد الحياة أو الاحتفاظ بالأيدولوجية» فاختارت الصين البقاء على قيد الحياة كما نرى اليوم.

وحين ننتقل إلى عقيدتنا الإسلامية نجد أن كل التجارب في محيطنا التي قدمتها ما يُعرف بجماعات الإسلام السياسي كانت فاشلة بامتياز، وأكثرها وضوحا تجربة جماعة الإخوان المسلمين في مصر حيث مارسوا تجربة عشوائية صدامية ليس فيها ما يشفع لها بأن تجعل دين الناس خيارا أساسيا في حياتهم وإنما تم تشويهه بإتجار مفضوح وقبيح، وفي الوقت نفسه تم تقديم مزايدات رخيصة بين جنة موهومة في تلك التجربة، ونار ماحقة تنتظر من يعارض أو يرفض سلطتهم.. كان القوم ولا يزالون مجرد دراويش مشاغبين وصلوا في غفلة من الزمن إلى أعلى هرم السلطة ثم سقطوا.

بقيت فيما بقي من التجارب ذات العمق العقدي تجربة أردوغان تركيا، وما سبقها أو تزامن معها، مثل التجربة الإيرانية، إنما هو زبد يذهب جفاء، وفي هذه التجربة نجد اضطرابا لا يستفيد من تجارب عقدية وأيدولوجية سابقة، وإذا كان السعيد يرى في غيره ويتعظ فالشقي لا يرى، وذلك حال أردوغان وهو ينتفخ بخطاب عقدي مليء بالمزايدات الدينية التي تخفي أبعادا قومية تمتطي صهوة الدين لتنعش وتستعيد الحقبة العثمانية بكل شعوبيتها، فالرجل الآن وصل ذروة الانكشاف حيث استقطب عامة الواهمين من المؤدلجين في بداية أمره، ثم سرعان ما اتضحت حقيقته ونزعته القومية الضيقة.

تجربته بدأت مضللة وفيها انتعش الاقتصاد واكتسبت الدولة احتراما مقدرا، وفجأة شعر بالزهو ليقدم نفسه كخليفة عثماني انطلق من الحرب العالمية الأولى ليصيب هدفا ما في القرن الحادي والعشرين، وذلك تحقق نسبيا ثم بدأ المنحنى السياسي والاقتصادي في التراجع، وظهرت الدكتاتورية البشعة، وقمع الشعب، والفساد، والدخول في حروب بلهاء يمينا وشمالا، وتطفل على جيرانه، ثم متاعب اقتصادية بداية بتوقف المشاريع وضعف التمويل وانهيار العملة، في وقت يبني فيه القصور ويسرف في الصرف عليها.. ومع كل تراجع جديد لليرته التمس كتاب «نظام التفاهة» للدكتور آلان دونو وتقرأ معه فصولا مثل: البهرجة والابتذال، فقدان العقل، الكتابة على طريق الخراب، الخاسرون، الاقتصاد الغبي، وغير ذلك مما يضع مثل رئيس تركيا في الموقع الإعرابي التاريخي والسياسي والاقتصادي بكل دقة، ويجعل الجميع يعيدون التفكير في الأدوار التخريبية العظيمة للمؤدلجين الذين يصلون السلطة بتحشيد جماهيري أو ساعة غفلة من تاريخ الشعوب والمجتمعات.